شرح كتاب التوحيد 77

شرح كتاب التوحيد 77

الدرس في شرح كتاب التوحيد 77، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أقسام الاستغاثة وضوابطها

يناقش المقطع أقسام الاستغاثة وضوابطها الشرعية، حيث يبين أن الاستغاثة بالله من أعظم مقامات التوحيد بينما الاستغاثة بالأموات شرك أكبر.

صور الاستغاثة وأحكامها الفقهية

يتناول المقطع صور الاستغاثة وأحكامها، موضحًا أن الاستغاثة بالأموات أو بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، بينما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة.

الاستغاثة بالمخلوق والاستغاثة بالله

يشرح المقطع حكم الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، ويبين أن اللجوء إلى الله بالاستغاثة الصادقة هو سبيل للخروج من الضيق، وقد وعد الله بالاستجابة للمستغيثين الصادقين.

  • 16 جمادى الآخرة 1444هـ - 08/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس الأخير، إخواني في الله، من كتاب التوحيد، كان الإشارة إلى تبويب المؤلف رحمه الله تعالى، بقوله: «بابٌ من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره». وأشرنا إلى ما في التبويب من مسائل وفوائد يتعلق ببنية الكلمة وما يتعلق بمعناها. وأشرنا إلى معنى الاستغاثة وما معنى الدعاء والفرق بينهما. ومما يذكر كذلك في هذا التبويب قوله رحمه الله تعالى: «من الشرك - أي الأكبر - أن يستغيث بغير الله»، أي وهذا الغير يشمل كل أحد ويشمل كل شيء، من الاستغاثة بالأحجار والأشخاص والأعيان. لكن بقي مسألة: هل هذا على إطلاقه؟ هل كل استغاثة بغير الله تعد من الشرك الأكبر؟ الجواب: لا، المسألة فيها تفصيل، وينبغي أن تراعي التفصيل الذي يذكره العلماء في هذا المقام. ينبغي أن نعلم، إخواني في الله، ما يتعلق بأقسام الاستغاثة، فلها صور. ومن أعظم صور الاستغاثة الاستغاثة بالله جل في علاه، وهو أن تقبل على ربك سبحانه وتعالى متى ما وقعت في شدة أو في فتنة أو في كربة؛ لأن هذا هو معنى الغوث، وهو الإنقاذ من الهلكة ومن الشدة. ما من أحدٍ لو يبتلى بالكربات والشدائد والفتن والمحن، حينها يا عبد الله، إلجأ إلى ربك وإلتجئ إلى مولاك جل في علاه، فإن هذا إن دل دل على عظيم التوحيد الذي في قلبك، إذ أنك ما ذهبت يمنة ولا يسرة، وإنما لجأت إلى ربك جل في علاه. ومن التجأ إلى الله كفاه، قال سبحانه: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾. متى جاءت الإجابة من الله عند وقت الشدائد والمحن، فينبغي، إخواني في الله، لأبي المسلم عليه دائمًا في مثل هذه المسائل أن لا يركن إلى نفسه، لا تركن إلى قوتك، إلى عقلك، إلى حذلقتك، إلى جماعتك وقبيلتك، إلى مالك ومنصبك، وإنما إلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يكفيك ما أهمك. فهذا من أعظم مقامات التوحيد أن تستغيث بالله دائمًا وأبدًا. الصورة الثانية من الاستغاثة: الاستغاثة بالأموات مطلقًا، فهذا شرك أكبر؛ كونك تذهب يا عبد الله إلى العتابات أو الأضرحة أو المزارات، ثم تنطرح بين هذه القبور وتلك المشاهد، ثم تلتمس من أهلها النفع والضر وإزالة الكربة والشدة. سبحان الله، تطلب هذا من ميت، أيهما يرجو نفعًا من الآخر؟ هل الميت يرجو نفعًا من الحي أم الحي يرجو نفعًا من الميت؟ الجواب الأول: الميت هو الذي يطلب نفعًا من الحي. وما شرعت زيارة القبور حتى ينتفع الموتى؛ تذهب إلى المقبرة فتدعو لأهلها وأصحابها. شرعت لنا صلاة الجنازة أن ندعو للأموات؛ لأنهم بأمس الحاجة إلى دعائنا. عندما يدفن الميت في قبره، كان من هدي عليه الصلاة والسلام أن يقول: «استغفروا لأخيكم واسألوا له الثبات»؛ فإنه الآن يسأل. الميت بأمس الحاجة لإخوانه الأحياء بأن يدعوا له وأن يستغفروا له، سواء كان ممن له قرابة عليك من أبويك من أرحامك من قرابتك، أو من أبعد الناس، بأن ندعو للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. هذا يا عبد الله، العقل قبل الشرع يدل على ذلك. أما أن تأتي إلى رجل أعوج في فكره ويرى أن الأحياء هم بحاجة إلى الأموات، فتجد هذا الحي يروح ويغدو ويعمل ويشتغل ويكد ويتعبد الله بما شاء من العبوديات، ثم يلقي نفسه بين يدي رفات بين عظام بالية، ثم يسألها دفع الضر وكشف الكربة، سبحان الله! هذا الذي كان عليه أهل الجاهلية الأولى ممن كانوا يلجأون إلى الأصنام والأوثان من الأحجار والأشجار ويعبدونها. كان سفهًا في العقول، لكن أمر منطلق ومنتهى إلى تلك الأجيال الساحقة من العرب القديمة، بل حتى وصل في هذه الأزمان في هذه العصور الحديثة أن تجد من يذهب إلى المزارات ويشد الرحال إلى العتابات ثم يستغيث بالأموات، ذاك يطلب منهم المدد، وذاك يطلب منهم الولد. هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا النوع الثاني من الاستغاثة: الاستغاثة بالأموات مطلقًا. ثالثًا من صور الاستغاثة: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، المخلوق من الأحياء والحاضرين، أعطاهم الله جل وعلا قدرة، وكل مخلوق بقدرته الذي يستطيع عليها، لا يستطيع أن يخرج عن القدرة التي مكنه الله عليها. فإذا جاء أن أحدًا ما وسأل مخلوقًا فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهي من أفعال الرب، كمن يأتي إلى مخلوق ويستغيث به ويطلب منه هداية القلوب أو كشف الكروب أو معرفة الغيوب أو مغفرة الذنوب. كل ذلك إن دل على أن هذا المتكلم والمستغيث يعتقد في هذا المستغاث به من صفات الألوهية والربوبية؛ لأن مغفرة الذنوب بيد الله لا بيد المخلوق، وكشف الكروب بيد الله لا بيد خلقه، ومعرفة الغيوب من علم الله لا من علم خلقه. فعندما تأتي يا عبد الله وترى أن أحدًا ما يفتح المجال ويشرع الأبواب في الاستغاثة بالمخلوقين بحجة أنهم من الأولياء والصالحين، اعلم أن هذا قد فتح باب الشرك على مصراعيه؛ لأنك إن لم تصرح بلسانك، فإن هذا الفعل مؤداه أن هذا الولي وهذا الصالح عندهم من صفات الألوهية والربوبية. ولهذا لا يجوز، يا عبد الله، أن تستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فما لله لله من صفاته ومن أفعاله اختص به الرب سبحانه وتعالى، لا ينازعه فيه أحد. الصورة الرابعة من صور الاستغاثة: الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه، حكمه جائز. هذا يجوز؛ كوني أني أستغيث، أطلب الإنقاذ، أطلب الغوث، أطلب رفع المحنة والكرب الذي أنا ابتليت به، أطلبها من مخلوق، وهذا المخلوق قادر، قادر على أن يغيث، قادر على أن يعين، قادر على أن ينتشلني مما أنا فيه. حكمه هذا جائز، والجواز دل عليه الكتاب، القرآن، والسنة، والإجماع. أما من القرآن، ففي قوله تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾، ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾، في قصة موسى مع صاحبه الذي من جماعته، عندما استغاث موسى على هذا المعتدي عليه. فاستغاثه فأغاثه موسى. رجل وقع في مظلمة، وقع في يد عصابة، أراد أحد أن يساعده، فترى رجلًا من جماعتك عندهم من القوة والفتوة ما يكون فيه الإنقاذ من هذا الموقف، تستغيث به: يا فلان، أغثني، أعني، ساعدني فيما يقدر عليه، فأغاثه. فوكزه موسى فقضى عليه، دل ذلك على أن الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه جائز لا غبار عليه، هذا من القرآن. وأما من السنة، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفينا أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا». يا رسول الله، أغثني. هذا يأتي يوم القيامة وقد حمل المظالم وحمل ما لا ينبغي أن يتحمله من حقوق الخلق، ذاك في رقبته بعير، ذاك في رقبته حصان، ذاك في رقبته شاه، الكل تحمل المظالم الذي أخذها من الناس، ثم يريدون أن النبي ينقذهم في موقفهم: يا رسول الله، أغثني. فيقول رسول الله: «لا أملك لك من الله شيئًا»، يتبرأ منهم نبينا. فهنا من الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه، لكن هنا الحكم لله جل في علاه. وأما الإجماع، فقد وقع الإجماع على أن هذا النوع من أنواع الاستغاثة لا غبار عليه. يقول إمام الشوكاني رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق: «ولا خلاف - أي هذا بالاتفاق - ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر عليه الغوث، فهو في غاية الوضوح». قال: «ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر عليه الغوث، فهو في غاية الوضوح». فهذه المسائل، إخواني في الله، وخاصة المسألة الأخيرة، ينبغي أن نتنبه لها. فالاستغاثة على هذا الوصف، إن خرجت من شخص إلى مخلوق، وهذا المخلوق قادر على الغوث، يجوز بدلالة القرآن والسنة وإجماع الأمة، لا غبار على هذه المسألة. ومنهم من يعبر بتعبير آخر: أن الاستغاثة بمخلوق تجوز بشرط أن يكون حيًّا حاضرًا قادرًا، بشرط أن يكون حيًّا حاضرًا قادرًا بهذه الشروط الثلاثة: حي، خرج الميت، حاضر، خرج الغائب، قادر، خرج العاجز. بهذه الشروط الثلاثة، هذا فيما يقدر عليه الغوث له أن يغيث وأن يستغاث به. أن يغيثك: يا فلان، أغثني. أنت في حفرة تقول: يا قوم، أغيثوني. ما في شيء يمد لك الحبل ثم ترتفع. أنت في بيت لو قدر أن احترق هذا البيت، فتنادي من في الخارج: أغيثوني، بأن ينقذوك برش الماء وإطفاء الحريق. هذا فيما يقدر عليه المخلوق، وقس على ذلك. بهذه الأمور يا عبد الله تتضح الرؤية الصحيحة لباب الاستغاثة. فعلى ما بعد هذا نجد من نجد ممن لا يرتضي بهذه القسمة، وما ندري ما العجب في حال بعض الناس، ونحن نقرر لهم مثل هذه المسائل والتي كلها تدعو إلى تعلق القلوب بربها بباريها، أن لا يستغاث إلا بالله جل وعلا إلا في حال ضيقة في مخلوق يقدر عليه. لك يا عبد الله أن تستغيث به، وإلا ما عدا ذلك الاستغاثة لله، تستغيث بالله، فهذا من مقامات التوحيد. إلا أننا نجد أقوامًا من الناس لربما يتشاءمون بل ويشمئزون من هذه القسمة، ويرون أنه لا بد أن الاستغاثة جملة وتفصيلًا كلها بغير الله، هذا الذي يريدونه. وإذا ذكر الله وحده: ﴿إشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾. بعض الناس إذا قيل لهم: يا عباد الله، الاستغاثة تكون بالأحياء، تكون بالأولياء، تكون بالصالحين، هؤلاء هم المنفعة، هؤلاء هم المفخرة، فرحوا وتفخروا بماذا؟ بهذا التقرير على أن الاستغاثة تكون للمخلوقين. أين الله جل وعلا؟ أين الله سبحانه وتعالى؟ أليس هو الذي خلق؟ هو الذي برأ؟ هو الذي ذرأ؟ أليس له العبودية الكاملة التامة؟ أليس الذي ينبغي أن تتوجه له جميع الخلق؟ قل هو الله أحد، الله الصمد الذي تصمد إليه المخلوقات جميعًا لقضاء حوائجها منه جل وعلا. فالله الله يا عبد الله بهذه القسمة، ودعنك التهويل، ودعنك التهميش، ودعنك التشويش الذي يفعله جماعة ممن تعلقت قلوبهم بالقبور، فلا يرون الاستغاثة إلا بالأموات، ولا يرون الاستنجاد إلا بالأضرحة والمزارات. لا يا عبد الله، كن موحدًا ظاهرًا وباطنًا، وخاصة في الشدائد والكربات. إذا ضاقت عليك الأمور فالتجئ إلى الله، فكلما ضاقت عليك الأمور فالله جل وعلا ينظر إليك، فإن صدقت في رغبتك وفي رهبتك فاستغثت ربك جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى ينزل مدده عليك: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾. هذا إخواني في الله مما أذكره في هذا المقام في معرفة أنواع الاستغاثة التي جرى عليه فهم علماء الأمة من أهل الإسلام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.