التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 86

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 86

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 86، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن التشبه بالكفار وبيان فضل السكن في القرى

ينهي عن التشبه بالكفار لذاتهم، بينما التشبه بالأعراب والعجم لصفة فيهم. السكن في القرى يقتضي كمال الإنسان في العلم والدين.

حكم السكن في البادية بعد الهجرة وأثره على الإيمان

أذن النبي لبعض الصحابة بالسكن في البادية، وهي قد تكون أحيانًا أماكن عبادة وطاعة، لكن الأصل أن المدن والقرى هي أماكن العلم والإيمان.

مسألة تفضيل العرب على العجم وأهمية التقوى

العرب أفضل بسبب وجود النبوة والصحابة فيهم، لكن الفضل الحقيقي يكون بالتقوى، وقد يكون العجمي أفضل من العربي إذا كان أقرب إلى الله.

فضل ماء زمزم وتاريخه مع بني إسماعيل

ماء زمزم له فضل وأهمية في تاريخ بني إسماعيل، وقد أنعم الله به عليهم، ويرتبط ذلك بتاريخ هاجر أم بني ماء السماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أولًا، ذكر الشيخ السلام في اقتضاء صلاة المستقيم النهي عن التشبه بالكفار، وكذلك بالشيطان، وأيضًا بالمنافقين. وأيضًا، جهلت الأعراب، وجهلت أيضًا العجم، فلا يقتدى بهم. ثم ذكر أبين أن النهي عن التشبه بالكفار والشيطان لذاتهم، لذات الكفار ولذات الشيطان. وأما التشبه بالأعراب والعجم، فليس لذواتهم، وإنما لصفة فيهم. فإن كانوا من الجهلة أو سيئي الخلق أو أهل السوء، فهؤلاء لا يقلدون. وأما إن كانوا من أهل الخير وأهل الصلاة والإيمان، فهؤلاء شيء آخر. قال رحمه الله: «وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والعجم، مع ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم الاعتبار بالنسب والمكان، مبني على أصل». وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل سكن القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين. هذا أصل، وهو أن الذي يكون في المدن والقرى غالبًا عنده العلماء وعنده الدعاة وعنده العلم، فسكنه في القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين ورقة القلوب، ما لا يقتضيه سكن البادية. كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى. هذا هو الأصل عن أهل القرى أو أهل البدو غالبًا، لشدة العيش وأيضًا لجلافة العيش، قد يؤثر حتى على أخلاقهم. قال: وإن جازت الخلف في هذا المقتضى لمانع، وكانت البادية أحيانًا أنفع من القرى. وكذلك جعل الله الرسل من أهل القرى. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور، حتى في النسب. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى للأعراب: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. ذكر هذا بعد قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: فلما ذكر المنافقين الذين استأذنوه في التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك، وذمهم، وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، قال سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. فإن الخير كله أصله وفصله منحصر في العلم والإيمان. هذا الأصل في العلم والإيمان، ووجود العلم في القرى والإيمان كذلك أكثر من وجوده في البادية. وأيضًا، مواطن العلم والإيمان القرى والمدن، ليس البادية. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرب بعد الهجرة. والمراد بالتعرب: أي أن يصير الرجل أعرابيًا بعد أن هاجر من ذلك المكان فيرجع إلى مكانه. لكن بعض الصحابة استأذنوا النبي عليه الصلاة والسلام في التعرب، أي أن يسكنوا في البادية، فأذن لهم، كأبي ذر الغفاري، وسلمة بن الأكوع. كما جاء في صحيح مسلم أن الحجاج بن يوسف قال لسلمة بن الأكوع: «يا سلمة، ألم ترتد بعد هجرتك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال: «لا». قال: «ولما تسكن البادية؟» فقال له: «إني استعدنت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لي». فبعض الصحابة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في السكن في البادية. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في زمن الفتن أن خير مال المرء غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. فتبين أن أماكن البادية أحيانًا تكون أماكن عبادة وأماكن طاعة أيضًا. لكن هذا ليس على الأصل، الأصل أن المدن والقرى هي أماكن العلم والإيمان. لكن أناس من أهل التصوف غلوا في هذا الباب. في فترة من الفترات، كانت جبال الشام والعراق تجد أنها مسكونة ليس بجن، وإنما بإنس. تجد في هذا الجبل رجل يتعبد الله، في الجبل الثاني رجل وحده. وهذا لا يجوز أن يجلس الإنسان وحده في مكان بعيد، هذا خطأ. قال: «فإن الخير كله أصله وفصله منحصر في العلم والإيمان». كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: ضد الإيمان إما الكفر الظاهر أو النفاق الباطن. والنقيض العلم جهل. فقال سبحانه عن الأعراب: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. والحدود: أي حدود الأسماء المذكورة في الشرع، مثل حدود الصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر والزان والسارق والشارب، وغير ذلك. لهذا روى أبو داود وغيره من حديث الثوري، قال: حدثني أبو موسى عن وهب بن منبه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سكن البادية جفى، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن». وهذا جاء له طرق وشواهد، ولهذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. وإلا أسانيده واهية. قال: ورواه أبو داود من حديث الحسن بن الحكم النضر بن شميل، وهو أبو الحكم، قال الحافظ: إنه صدوق يخطئ. قال: عن عدي بن ثابت، وهو قاص الشيعة الكوفي، وهو ثقة، إنما اتهمه بعضهم بالتشيع. قال: عن شيخ من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى: «من لزم السلطان افتتن». وزاد: «ازداد عبد من السلطان دنيا، إلا ازداد من الله عز وجل بعدًا». قال: ثم لفظ الأعراب هو في الأصل اسم البادية لبادية العرب، فإن كل أمة لها حاضرة وبادية. فبادية العرب الأعراب، ويقال: إن بادية الروم الأرمن ونحوه، وبادية الفرس الأكراد ونحوه، وبادية الترك الخزر. وهذا والله أعلم هو الأصل. وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقص. والتحقيق أن سائر سكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا. فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، إنهم سكان البادية، سواء كانوا يتنقلون أو يجلسون في أماكن الصحاري. قال: ويقتضي أن من فرد به البادية عن جميع جنس الحاضرة، فهو ناقص عن فضل الحاضرة أو مكروه. فإذا وقع في التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة والمهاجرين، كان ذلك إما مكروهًا أو مفضيًا إلى مكروه. والعجب أن هذا الذي يريد أن يصل إليه الشيخ: أن ما كان يفعله أهل البادية، وهو ليس موجودًا عند أهل الحاضرة، فيكره أن يقلد، لأن الغالب فيهم الغلظة والجلافة وعدم معرفة حدود الله وحدود الشرع. فلهذا يكثر فيهم الأشياء المنكرة. فإذا اختصوا بشيء لا يقلدون. وكذلك العرب والعجم، إن كان عند العجم عادة ليست عند العرب، وصارت من ميزاتهم، فإنهم لا يقلدون بها. قال: فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم، سريانيهم، وروميهم، وفرسيهم، وغيرهم. لكن قد يكون الأعجمي أفضل بكثير من العربي، إذا كان متقربًا إلى الله جل وعلا. فلهذا فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. لكن من ناحية الجنس، لأن العرب فيهم النبوة، وفيهم الصحابة، وغير ذلك، فيفضلون بمثل هذه الأمور. وقد عقد الإمام ابن القيم فصلًا طويلًا في هذه المسألة، وعقده أيضًا الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، وذكر أدلة كثيرة في تفضيل العرب على العجم أو العجم على العرب. والأصل أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. لكن جنس العرب من ناحية جنسهم أفضل، لأن فيهم النبي عليه الصلاة والسلام، وفيهم أيضًا من ينسب إلى إبراهيم، إلى العرب. لكن إبراهيم ليس عربيًا، وإنما ابنه إسماعيل الذي تعلم العربية، فنسبت العربية إليه. وامه هاجر هي أم العرب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هاجر: «هذه أمكم يا بني ماء السماء». المراد بني ماء السماء: أي الذين أخرجهم الله عز وجل بهذا الماء، وهو ماء زمزم.