الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
درس يشرح كلام الشيخ حول مسألة مخالفة أهل الكتاب في صيام عاشوراء، حيث أوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوافق اليهود على الصيام بل صامه اقتداءً بموسى، وأمر بصيامه وأستحب صيام التاسع معه.
ناقش المقطع حكم صيام عاشوراء، حيث ذهب الإمام أحمد إلى استحباب صيام التاسع والعاشر من محرم، وكراهة الاكتفاء بالعاشر؛ مخالفة لليهود. كما تطرق إلى تطور العلاقة بين المسلمين وغيرهم وتأكيد مخالفة الكفار في العبادات والشعائر.
يشرح الشيخ رحمه الله أن مخالفة الكفار تكون في دار الإسلام حيث الدين ظاهر وعزيز، بينما في دار الكفر أو الحرب قد تكون الموافقة لهم جائزة أو مستحبة إذا كانت فيها مصلحة دينية. يبين أن الأحاديث الواردة في مخالفة الكفار تحتمل معاني مختلفة بحسب الزمان والمكان.
شرع النبي صلى الله عليه وسلم عدم التشبه بأهل الكتاب فيما يميزهم أو ليس مشروعًا في ديننا. هذا التحريم يعتبر خلاصة ما يبتلى به كثير من الناس في اتباع عادات وتقاليد غير إسلامية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ذكرنا في الدرس الذي قد مضى في كلام الشيخ في مسألة مخالفة أهل الكتاب في مسألة صيام عاشوراء، وهل وافقهم النبي صلى الله عليه وسلم أم أنه خالفهم؟ فذكر الشيخ أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يوافق اليهود على الصيام معنى ما وافقهم؛ لأنهم صاموا فصام، وإنما لأسباب. أولًا، أنه كان يصومه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، وكانت قريش أيضًا تصومه، كما جاء في حديث عائشة وابن عمر كما ذكرهما الشيخ. الأمر الثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصم لأجل أن اليهود صاموا، وإنما صام اقتداءً بموسى، فقال: «نحن أحق بموسى منهم». أخذ السبب الذي صاموا من أجله، فهم صاموا لأجل أن الله عز وجل نجى موسى في ذلك اليوم، يوم عاشوراء. والنبي عليه الصلاة والسلام ليس أنه صدقهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، فإن كان في كلامهم كذب، لكذبهم الله عز وجل، وذكر له تكذيبهم. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام قوله وحي، وفعله أيضًا، وموافقته وإقراره وحي ودين يدان به. فلهذا لما أقرهم على هذا دل على أن قولهم صحيح، وأن الله عز وجل نجى موسى في يوم عاشوراء، وأغرق فرعون وقومه في يوم عاشوراء. فكانت اليهود تصومه وتتخذونه عيدًا، ويلبسون أطفالهم الحلي والشارات. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فصوموه أنتم»، كما في البخاري ومسلم. وقال في رواية النسائي في نفس الحديث: «لا تتخذوه عيدًا وصوموه». فالآن النبي عليه الصلاة والسلام لم يوافقهم فيما هم عليه، وإنما وافقهم في الصيام، ليس موافقة لهم، وإنما لأن السبب الذي صاموا من أجله سبب شرعي. فصام النبي عليه الصلاة والسلام وأمر بصيامه، وقال: «نحن أحق بموسى منهم»؛ لأنهم بدلوا وغيروا. فأهل الإسلام، وخاصة الأنبياء، بعضهم أولى ببعض. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بعيسى بن مريم». الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى. وإخوة لعلات: الإخوة لعلات الذين يكونون من أب واحد وأمهات شتى. قال لهم: «إخوة لعلات». فالأنبياء دينهم واحد للتوحيد، وشرائعهم متفرقة. فقال: فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يوافق اليهود على الصيام، وإنما وافقهم على السبب الذي صاموا من أجله. ومع هذا أيضًا، إلا أنه خالفهم، أو هم بمخالفتهم، قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». فأدركه الموت عليه الصلاة والسلام. فلهذا ذكر بعد ذلك الشيخ أن أحمد كان يستحب صيام تاسوعاء وعاشوراء. وذكر أن بعض العلماء يستحب صيام يوم تاسع والعاشر، أو يومًا قبله أو يومًا بعده. وذكر ذلك عن ابن عباس مرفوعًا، لكنه لا يصح؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو فقيه، لكنه ضعيف في الحديث، سيئ الحفظ، وكان يحدث أحيانًا بأشياء وهمًا. ومن ذلك هذا الحديث: «صوموا عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده». فهذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر أن أحمد رحمه الله -في رواية الأثرم- قال: «أذهب إلى أن يصام يوم التاسع والعاشر لحديث ابن عباس: صوم التاسع والعاشر». وإنما قال: يصام يوم ثالث إذا شك وأشكل في الشهر. فقال: وقال في رواية الميموني وأبي الحارث -وهما من أصحاب أحمد، الميموني هو عبد الملك بن عبد الحميد الميموني المتوفى، وكان من تلاميذ أحمد رحمه الله، وأبو الحارث هذا: أبو الحارث الصالحي، كان أحمد يحبه- فذكروا عن أحمد أنه قال: «من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور». معنى إذا شك الناس في دخول الهلال، هل دخل يوم الاثنين أو يوم الثلاثاء؟ وهكذا، فإذا حصل الشك فيصوم الثالث من باب الاحتياط. قال: وقد قال بعض أصحابنا: «إن الأفضل صوم التاسع والعاشر، وإن اقتصر على العاشر لم يكره». ومقتضى كلام أحمد أنه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم عاشوراء. واتبع في ذلك حديث ابن عباس. وابن عباس كان يكره إفراد العاشر، على ما هو مشهور عنه. ولهذا قال للرجل: «إذا دخل شهر المحرم فاعدد حتى التاسع، فصم». فأراد رضي الله عنه أنه يعدد كم باقي في الشهر، فإذا كان اليوم التاسع يصومه، ويصوم أيضًا عاشوراء اليوم العاشر. فلهذا كان -كما قال شيخ الإسلام- أن ابن عباس كان يذهب إلى كراهة إفراد العاشر، ويأمر بصوم التاسع والعاشر. قال: وما يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ ذلك. أن اليهود إذ ذاك كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس ولا بعلامة ولا غيرها. يقول شيخ الإسلام: بعدما انتهى من مسألة عاشوراء، يقول: إن المسألة التي تشبه بهم كان هذا في صدر الهجرة، في بداية لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم. وكان بين اليهود والمسلمين صلح، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب مخالفة المشركين وموافقة أهل الكتاب؛ لأنهم أهل الكتاب. ثم بعد ذلك أمر بمخالفتهم، فكان يخالفهم. ثم أيضًا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يميز أهل الإسلام من غيرهم، وحصل ذلك في عهد عمر رضي الله عنه. قال: ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي. حتى أن عمر جعل لهم أشياء تميزهم عن المسلمين. فمثلًا في الشعر، هم يسدلون، جعلهم يسدلون، وجعل لهم الزنارات، جعل لهم زنارات يخرجونها من شعرهم. وأيضًا منعهم من العمائم، يلبسون الطاقات أو لا يلبسون شيئًا. وغالبًا إن لبسوا عمامة فيجعلها -كما يسمونها- مقتضبة. ومعنى مقتضبة: يعني لا يخرجون منها شيء، يعني تكون ملفوفة لا يخرج منها شيء. فهذه يسمى عمامة مقتضبة أو اكتضاب العمامة. وهذا جاء فيه حديث ينهى عنه، لكنه لا يصح. لكن كان عمر جعل اليهود يتميزون بهذا، يعني عمائم المسلمين إما أنها محنكة -أنه يخرج شيء ويجعله تحت حنكه ويثبتها- وهذا غالبًا ما كان يفعله الصحابة، وخاصة في الجهاد. وإما لها ذؤابة -ذؤابة: معنى ما يخرجه من الزيادة في الخلف-. وقد جاء في الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له ذؤابة أربعة أصابع، وجاء عن الصحابة أكثر. وكان ابن الزبير له ذؤابة أكثر من ذراع أو ذراع أو أكثر. فهذا الذي كان من عمائم المسلمين، فجعلهم عمر عمائمهم مقتضبة، يعني يكورونها بدون أن يخرجوا شيء. فهذا كان عمائم اليهود وغيرهم. فالمهم أن عمر جعل لهم أشياء يميزهم عن المسلمين، حتى يعرف أن هذا يهودي أو نصراني، وهذا مسلم. قال رحمه الله: وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه، كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار. فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم. فلما كمل الدين وظهر وعلى، شرع بذلك. ومثل ذلك اليوم، لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر؛ لما عليه في ذلك من الضرر، أنه كان عليه ضرر، فإنه لا بأس أن يوافقهم قد يكون في لباسهم، أو قد يكون أيضًا كذلك في بعض ما تميز به إذا كان يدرى عن نفسه الضرر. أما إن لم يكن هناك ضرر، فلا ينبغي أن يفعل. قال: بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية؛ من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك، أو يندس معهم، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد والمقاصد الصالحة. فأما في دار الإسلام والهجرة التي عز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعة المخالفة. وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة تختلف باختلاف الزمان والمكان، ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا. والوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي كان له أن يوافقهم؛ لأنه يعلم حقهم من باطلهم بما يعلمه الله إياه. معنى لو لم ينسخ وافقتهم، فهذا يختص بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعلم ما هو الذي وافق الشرع وما هو الذي يخالفه، بما يعلمه الله إياه. ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئًا من الدين عنهم. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم غضب على عمر لما كان يقرأ في صحيفة فيها التوراة. قال: «لا» من أقوالهم ولا من أفعالهم، بإجماع المسلمين المعلوم بالاقترار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم. ولو قال الرجل: استحب لنا موافقة أهل الكتاب الموجودين في زماننا، لكان قد خرج عن دين الأمة، هذا القول باطل. قال: الثالث -أي الوجه الثالث في هذا- أن نقول: بموجبه، كأن يعجبه موافقتهم الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء. أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقتهم الكتاب ما لم يؤمر بمخالفتهم، ثم إنه أمر بمخالفتهم. وهذا هو الظاهر من الحديث. قال: أمرنا نحن أن نتبع حديثه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. والكلام إنما هو في أن منهيون عن التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه. فأما ما كان سلف الأمة عليه، فلا ريب فيه. معنى إذا كان الصحابة يفعلونه وفعلوه، فهذا من عمل المسلمين يعتبر، وليس عمل الكفار. قال: فلا ريب فيه، سواء فعلوه أو تركوه. فإننا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله. هذه نقطة عظيمة. الآن بعض الإخوة المسلمين وغيرهم يريدون أن يبرروا ووقفهم -مثلًا- في حلق لحاهم، يقولون: الآن الكفار يطلقون لحاهم، فنحن نخالفهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا اليهود». فقال: نحن نخالفهم، أي أننا نطلق لحيتنا. وهذا كلام باطل غير صحيح. فالموافقة المخالفة تكون بهدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإننا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله؛ مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقون عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله المحكم مما قد نسخ أو بدل. فخلاصة الأمر -سواء كان نسخ أو لم ينسخ- فإن شرعنا بين -أي النبي صلى الله عليه وسلم بين- المخالفة لأهل الكتاب وعدم التشبه بهم، وأنه لا يجوز أن يتشبه بهم فيما هم قد تميزوا به عن غيرهم، أو ما ليس مشروعًا في ديننا. فهذا خلاصة ما يبتلى به كثير من الناس.