الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 67، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد على أن العلم الحقيقي ليس بكثرة الرواية والكتب، بل بمتابعة العلم والسنن، ويحذر من أصحاب البدع. يشدد على أهمية أن يكون علم الشخص مبنيًا على الكتاب والسنة.
يشرح قصة إمام أحمد مع الحارث المحاسبي، ويبين أهمية النظر إلى العقيدة والمنهج عند التعامل مع العلماء. يوضح أن كثرة الرواية والكتب ليست مقياسًا للعلم الحقيقي.
يناقش معايير التعرف على العلماء الحقيقيين، ويحذر من الاغترار بكثرة المؤلفات والكتب. يشير إلى أن العبرة في العلماء هي إصابة الحق وتمييزهم بين الحق والباطل.
يبين أن معيار القبول ليس بكثرة الروايات أو الكتب، وإنما بالاتباع للكتاب والسنة وإصابة الحق. يطلب من الله النفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ما يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، إنما العالم من اتبع العلم والسنن وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب. في هذه الفقرة، أخواني في الله، مسائل عظيمة نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، ونكتفي بمسألتين اثنتين تستفاد من عبارة المؤلف التي استطرها في هذه الفقرة. الفائدة الأولى، أخواني في الله، في معرفة أن العلم وأن العالم ينبغي أن يكون علمه مبني على الكتاب والسنة. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: إنما العالم من اتبع العلم والسنن وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب. فهذا المقياس في العلم ومعرفة العلماء ليس فقط أنك تنظر إلى ما يتفوه به وإلى ما سطروه وألفه من كتب. فكم من مؤلف قد ألف المئات بل الآلاف من الرسائل، وكم من متكلم له العديد من الأشرطة، وهكذا له الكثير من الطلاب، إلا أن علمه كان مبني على علم البدعة. تجده الضال من أهل الفرق الضالة ومن المذاهب المتردية، فهذا لا ينفع علمه، ولا يؤهله هذا العلم أن يصل إلى مصاف العلماء الأمة الذين يشار إليهم بالبنان أو يقتدى بهم. فإن علمه يكون وبالا عليه. وللأسف، مثل هذه المسائل قد غفلت عن كثير من الناس، بعض الناس إنما ينخدع بالمؤلفات وينخدع بما صطره ذاك. تسأل: ما تقول في فلان هذا عالم نحرير؟ هذا جهبذ، هذا كذا. تقول: يا أخي، ما ديانته؟ وما مذهبه؟ السنة؟ لا، ليس على السنة. ولو كيف ولو إذا كان شخص عقيدته على خلاف منهج الكتاب والسنة، فهذا لا ينفع علمه، بل علمه يكون وبالا عليه. وقد نبهنا ذكر العلماء واستدلوا بما ذكره ربنا جل وعلا في سورة البقرة، عندما تكلم في قصة هاروت وماروت، في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فأثبت لهم ربنا العلم، ثم في نهاية الآية قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، نفى العلم. فدل العلماء على أن العلم إذا كان قائما على هوى وقائما على غير الشريعة وعلى غير العقيدة الصحيحة، فإن صاحبه لا ينتفع بعلمه. ولهذا دأب السلف على التحذير من المبتدعة وإن كانوا قد بلغوا في العلم مبلغا عظيما. يوجد فيمن سلف ولا يوجد كذلك في الحاضر في زمننا المعاصر، تسمع عن أناس قد بلغوا من العلم مبلغا عظيما في التأليف والتحقيق والتخريج والتأليف والكتابة، إلا أنك إذا نظرت إلى معتقدهم علمت أنه على خلاف الكتاب والسنة. فتجد أن أهل السنة والجماعة مع ذلك يحذرون منه، لا يظنون أن علمه سيغفر له، لا، العلم سيكون وبالا عليه، فيحذر منه إذا كان على البدعة. فإنه يحذر منه، ولا نعبر بمن سلف من أناس قد بلغوا من العلم مبلغا عظيما في أيام سلفنا كبن كلاب، وهكذا الحارث، وكذلك الكرابيسي، حسين الكرابيسي، قد شهد له القاصي والداني في زمنه بأنه على علم وفير وعلى علم غزير. بل كان العلماء من يترجم له، قال: وكان عالما متقنا حافظا، لا أحد يشك في علم الكرابيسي. ومع ذلك، مع علمه، ما كان موقف العلماء الأمة منه؟ التحذير منه، حذروا منه وأمروا بهجره وأمروا بتركه وعدم مصاحبته. حتى أنه مات كما ذكر العلماء لم يصلي عليه إلا أربعة نفر، أربعة نفر فقط صلوا عليه، مع أنه قد بلغ علما غزيرا. وذكر ذلك ابن حبان رحمه الله تعالى ممن ترجم للكرابيسي، فقال في حقه: قال وكان ممن جمع وصنف وممن يحسن الفقه والحديث، لكن أفسده عقله. فسبحان من رفع من شاء بالعلم اليسير حتى صار ممن يقتدى به، ووضع من شاء مع العلم الكثير حتى صار لا يلتفت إليه. ويعني به الكرابيسي، آتاه الله علما غزيرا وعلما كثيرا، لا أحد يشك في علم الكرابيسي، لكن ماذا؟ أذله الله ووضعه الله، فلا أحد يلتفت إلى علمه، لماذا؟ لأنه قائم على غير الكتاب والسنة. فينبغي، إخواني في الله، للمرء أنه إذا أراد أن يعرف العالم الذي يقتدى به ويؤتس به، أنك لا تنظر إلى الجانب العلم فقط من تأليفه وكتابته وخطابته وفتاويه، بل تنظر إلى هذا ثم تنظر إلى معتقده ومذهبه. فإن كان هذا مع ذلك على العلم الكتاب والسنة، فهذا يشار إليه بالبنان، وهذا يقتدى به. وإن كان على قلة في العلم، وإن كان غيره قد تجدهم أوسع منه علما وبحرا في هذا الجانب، لكنه على بدعة، فهذا لا يقتدى به، ولا يؤتس به، ولا لمثله ماذا أن يشار إليه؟ وإنما يحذر من أمثاله. وقد ذكرنا لإخواننا في دروس ماضية في قصة إمام أحمد رحمه الله تعالى عندما جاء لذاك الرجل وهو أبي العباس بن السراج، وأخبره إمام أحمد أخبر هذا ابن السراج، قال: بلغني أن الحارث المحاسبي وكان الحارث المحاسبي واعظا مؤثرا، إذا تكلم أبكى. فقال إمام أحمد لهذا الرجل من سراج: قال بلغني أن الكائن المحاسبي يكثر الكون عندك، ومعنى الكون أي يكثر الجلوس عندك. قال: نعم، يأتي عندي. فطلب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه إن تمكن أن يستدعيه للبيت فليستدعيه. قال: واشعرني بذلك، إذا أردت أن تأتي بهذا الرجل عندك في البيت أخبرني. فقال: السمع والطاعة يا أبا عبد الله. فذهب ابن السراج وطلب من الحارث المحاسبي أن يأتيه إلى بيته، وكان المحاسبي إذا جاء إلى البيت، الناس يعظ ويحذر ترهيب وترغيب. فلما طلب هذا الرجل من المحاسبي أن يأتي إليه إلى منزله، قال له المحاسبي: أنا سأتي مع طلابي ومع أتباعي ومع مريدي، وهم كثرة. فقال: لا تكثر من التمر، يعني: كان له هناك أكل التمر، يكفيني التمر يكفي من يكفيني ويكفي من معي. فذهب هذا الرجل وأخبر إمام أحمد بأن الرجل سيأتيه الليلة، فقام إمام أحمد رحمه الله تعالى واستعجل الحضور، فجاء بعد صلاة المغرب، وصعد إلى الغرفة وهي العلية الطابق العلوي الغرفة العلوية. وكان من شرط الإمام أحمد على صاحب البيت أنه سيستمع لهذا المحاسبي بحيث أن المحاسبي لا يشعر به أن المحاسبي لا يشعر بوجود الإمام أحمد. فوفى صاحب البيت بهذا الشرط، فهيأ لإمام أحمد رحمه الله تعالى غرفة في العلية في الأعلى، بحيث يستمع الإمام أحمد ولا أحد يدري بوجوده. فلما ارتقى إلى الصعد إلى الأعلى، فجاء المحاسبي ومن معه، جاءوا في العتمة ودخلوا في هذا البيت، وصدفهم رجل حق السضاف وأتاهم بالتمر، فجلسوا، وكان عليهم السكينة وعليهم الهدوء وعليهم الصمت، لا يتكلمون تعظيما لشيخهم المحاسبي. ثم تكلم المحاسبي، وبكلام فيه وعظ وزجر، حتى أنه أبكى من كان جالسا، بل قال الراوي: فصعق من صعق، وزعق من زعق، وأغشي على من أغشي، لكثرة وعظه وشدة وعظه، وكذلك اهتمامه بقلوب الخلق. الرجل صاحب البيت قال: فاستغلها فرصة، قال: فارتقيت إلى الأعلى لأنظر ماذا فعل أحمد. قال: فإذا بأحمد يبكي، إمام أحمد تأثر من كلام هذا الرجل، يبكي إمام أحمد من وعظ هذا الرجل. قال: فنظرت حتى انتهى القوم إلى قيام بالفجر، انتهى من وعظه، فتفرق القوم. قال: فلما تفرقوا، ذهب صاحب البيت إلى أعلى ويريد أن يخبر إمام أحمد، قال: ما رأيك إمام هذا المحاسبي وهذا كلامه وعظه؟ فقال إمام أحمد: ما رأيت مثل هؤلاء في علم الحقائق، أي في علم الوعظ. قال: وَلَا أَرَاكَ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ، وَلَا أَرَاكَ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ. لماذا؟ لأن هذا لصاحب أهل بدع، الوعظ والزجر والصعق، وكذلك الدخول في أشياء هذا المبنية كانت على أشياء مخالفة الكتاب والسنة. فإمام أحمد رحمه الله تعالى، مع وعظ هذا الرجل وشدة وعظه، لكن ذلك ما غفر له بأن يترك على حاله، بل أمر بتركه. قال: لَا أَرَاكَ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ. معنى قد أثر فيه، لكن هذا ليس بطريق، فلا تظن يا عبد الله أن الرجل إذا تكلم بكلام فتاوى مثلا أفتى فتاوى ولو فتاوى صائبة، أو إذا وعظ له وعظ شديد عن النفوس وأثر عن القلوب، هل هذا يعنى تغض النظر عن منهجه وعن مذهبه وعن عقيدته؟ لا يا عبد الله. بل مع وعظه وعلمه وفتاويه، لابد أن تنظر إلى مدى اعتقاده، ماذا يعتقد؟ إن كان على الكتاب والسنة، فحي هلا، وما أفتى به وما وعظ به، فهذا نور على نور. أما إذا فتشت فإذا أرض معتزلي أو جهمي أو خارجي أو معتزلي أو صوفي أو ضليل، فهذا لا ينفعك، بل هذا علمه سيكون وبالا عليه. ولنا عبرة بإمام أحمد رحمه الله، وكثير من السلف رحمه الله تعالى، كانوا على هذا الحال، كانوا يعلمون من أناس كانوا على مبلغا عظيما من العلم، ومع ذلك هجروهم، لماذا؟ لأنهم على خلاف الكتاب والسنة. وكما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: قال إنما العالم من اتبع العلم والسنة وإن كان قليل العلم، وإن كان علمه قليل، لكن هذا العلم مبني على الكتاب والسنة، فهذا عالم، فهذا عالم يؤتس به ويؤخذ منه ويقتدى به. قال: ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب، فلا تنظر إلى كتبه. بعض الناس كما يقول: هذا همه إذا نظر إلى رجل ورأى كثير الكتب، ظن أنه عالم نحرير، فيتبع ويقتدى. لا يا عبد الله، عليك أن تنظر كذلك إلى عقيدته ومنهجه. وكذلك هناك فائدة أخرى نستفيد من كلام المؤلف، وهي في مطلع كلامه حيث قال رحمه الله تعالى: وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْكُتُبِ. وهذه مسألة تفيدنا، المسألة الأولى كانت بين المقياس بين أهل البدع وأهل السنة، الفائدة الثانية هي المقياس بين أهل السنة بينهم فيما بين، وكيف نتعرف على العالم. كيف نتعرف على العالم؟ كذلك هذه مسألة من وقع فيها الخلط والخبط بين كثير من الناس من أتباع السنة. تجد بعضهم إذا ذكر له إمام من أئمة، لا يلتفت إليه. تقول: سبحان الله، هذا إمام من أئمة السنة، لا يلتفت إليه. ويذكر له داعية دون هذا العالم بالرتبة والعلم، لا، قال: هذا هو العالم الرباني، هذا هو الجهبذ، هذا هذا. ما مقياسه؟ يقول: أنظر هذا العالم الذي ذكرته الأول، أين كتبه؟ أين مؤلفاته؟ أعنده مؤلفات ولا كتب؟ وأما هذا الداعية، ألف وصطر وكتب وأتى بالسلاسل وأتى. هل هذا مقياس العلم؟ لا يا عبد الله، هذا ليس بمقياس العلم. وكما قال الإمام البربهاري: وليس العلم بكثرة الرواية والكتب. بل حتى عند أهل السنة والجماعة، عند أهل السنة والجماعة، لا يقيسون بين العالم وبين غيره بكثرة المؤلفات وبين كثرة الكتب. وقد نبغ ذلك لأئمة، ومن أعظم ومن أفضل من ألف في ذلك، ابن رجب رحمه الله تعالى. ولو في ذلك عبارات عظيمة يبين فيها المنهج الصحيح في معرفة العالم عن غيره، وأن كثرة الرواية وكثرة الكتب أو الرسائل أو السلاسل، ليست مقياسا في أنك تعرف هذا عالم أو هذا ليس بعالم. فمن ذلك يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: قال وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظن أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين، فهو أعلم ممن ليس كذلك. يرى الناس هذا، يرى أن هذا هو العالم. دليلك يقول: انظر له خمسين شريطا، له مئة شريط، له ثلاثين ملزمة، له سبعين كذا بالعداد، هذا عبرة، هذا ظنه. وقد نبه ابن رجب أن هذا ظن الكثير، بل هذا من الفتنة الذي وقع عند الكثير من المتأخرين. وقال: وهذا جهل محض. ثم قال رحمه الله تعالى: فليس العبرة بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكن نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة بالمقاصد. ثم له عبارة أخرى قال رحمه الله تعالى: وقد ابتلينا بجهل من الناس، يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين، أنه أعلم ممن تقدم. فإخواني في الله، وهذه فائدة، لا أقول: ليستفيدوا عامة الناس، بل أقول: البلية أن بعض من ينتمي إلى مستويات طلبة العلم، يجهل مثل هذه المسائل. رأينا فيما قريب، أن يؤتى إلى إمام من أئمة المسلمين، ممن شابت لحيته على السنة والعلم، شابت لحيته على السنة والعلم، علم له ثقله في ما في العالم الإسلامي بفتاوي. وإذ بهم يحتقرونه ويطعنون فيه. ما حجتهم؟ قال: أين مؤلفاته؟ سبحان الله، وهل شرط المؤلفات؟ أين رسائله؟ أين سلاسله؟ ثم إذ بهم يمدحون شخصا آخر، وهو دونه في العلم، ليس له ثقل، بل كما قال: لعل هذا الإمام قد بلغ إماما للدنيا، وهذا لا زال في بطن أمه. عدا ما خرج، ما له إلا السنوات قليلة. فماذا فعل؟ ألف رسالة، رسالة، رسالة، رسالة، ألف رسالة صغار، كبار، صغار، كبار. ثم يأتي الأحداث، يقول: هذا هو العالم النحرير، وهذا الإمام، وذاك ليس بذاك. بل هذا كما يسميه البعض: ماذا؟ أنه لا يفهم، وأنه كذلك حاطب ليل، أنه شبه كذلك شبه عالم، ونحو ذلك. ما مقياسه في هذا الباب؟ مقياسه في هذا الباب: أنه اغتروا بكثرة الروايات وبكثرة الكتب، وهذا جهل محض، جهل محض. وإلا هناك أئمة من أئمة السنة، لا يشق لهم غبار، ومع ذلك ليس لهم مؤلفات. فهذا ليس بمقياس، لكن كذلك مقياس في فتاويهم، كما قال ربما حجر رحمه الله تعالى، ابن رجب: أنك تعلم أنه ماذا؟ أنه يصيب الحق. هذا الذي شابت لحيته، لو أنك تنظر في فتاويه، لا رأيت أنه إن لم تكن مئة بالمئة قد أصاب الحق، فالغالب في فتاويه أنه قد أصاب الحق، لماذا؟ لغزارة علمه، ما يخطئ إلا في قليل من مسائله، يجيب هنا ويجيب هنا ويجيب هنا، على طيلة عمره، على كثرة فتاويه، أصاب الحق في كثير من جوانبه. هذا والعالم هو كما قال ابن رجب: عبارة عن نور يغرس في القلب، يميز به العبد بين الحق والباطل. وأما هذا الذي دونه، الذي كثرت مؤلفاته ورسائله وأشرطته، ومع ذلك إذا أجاب، ترى ماذا؟ الخلط، ترى الأخطاء الكثيرة، تارة في العقيدة، وتارة في الفقهيات، وتارة في الفروع، وتارة في الآداب، وتارة في السلوك، وتارة في المنهاج، أخطاء وأخطاء. إذا أنت عرفت هذا، هو العبرة، العبرة بمن الذي أصاب الحق، فلا تنظر يا عبد الله في تعرف العالم وغير العالم، لا بمؤلفاته على هذا الحال، بإمكان الطالب أن يأتي بشريط وشريط وشريط، بخمسين ألف شريط، هل هذا يجعله من رتب العلماء من كبار العلماء؟ هذا ليس بلازم. وإنما تنظر إلى الذي يتفوه به، كم هي الزلل والخطأ الذي ماذا يخرج من فمه؟ وبهذا نفرق إخواني في الله بين العالم وبين غيره. فهذه إخواني في الله مسائل عظيمة نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي أن أعلم ما يتعلق بين الفرق بين عالم السنة وبين أهل البدع، وكذلك بين العالم عند أهل السنة والجماعة. فليس العبر بالعدد، ليس العبر بكثرة الروايات ولا بكثرة الكتب ولا بالسلاسل، وإنما الاتباع للكتاب والسنة مع إصابة الحق، هو الذي يجعلهم هذا القبول في دنيا الناس. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.