الدرس في كتاب الوقف 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشترط لصحة الوقف أن يكون على وجه البر والطاعة، فلا يصح في المباح ولا في المحرم. ويجوز الوقف على الذمي والمعاهد والمستأمن، بينما يمتنع على الحربي والكنائس وكتب الزندقة.
يجوز للواقف أن يوقف على نفسه ثم على ورثته أو الفقراء، ويصح له اشتراط الانتفاع بالريع أو السكنى استدلالاً بفعل عمر. وقد أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأبو يوسف وبعض الشافعية هذا النوع مستدلين بحديث بئر رومة.
يؤكد العلماء أن الوقف لا يصح على مجرد المباح الذي لا يوصل إلى حرام، لأن الوقف عبادة قربية تشترط البر والطاعة. لذا يبطل الوقف على الملاعب وأمثالها التي لا تُعد قربة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَيَكُونُ عَلَى بِرٍ كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَقَارِبِ». هذا الشرط الثاني، والشرط الأول أن تكون المنفعة دائمة، والشرط الثاني هنا أن يكون على بر، وهذا الشرط متفق عليه بين أهل العلم أن الوقف لا بد أن يكون على بر، فاشترطوا أن يكون في بر. إذا كان في مباح لا يصح الوقف، وأيضا إذا كان على محرم، مثل أن يوقف مثلا بيته أو بيتا للغناء، أو يوقف بيتا للرياضة، هذا لا يصح أن يكون وقفا. قال: «وَمِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ أَنَّ يَصِحُّ» أن يكون الوقف على المسلم وعلى الذمي. واستدل العلماء، أو خاصة الحنابلة، بأنه يصح الوقف على الذمي بقوله جل وعلا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. وذكروا أيضا ما ذكره عبد الرزاق عن صفية زوجة النبي عليه الصلاة والسلام أنها أوصت لابن أخ لها يهودي، لكن الأثر من طريق ليث بن أبي سليم، لكن جاء له شاهد عن عكرمة يؤيد هذا، فلذلك بعض أهل العلم صححوه. وجاء أيضا عن ابن عمر قال: «غَيْرَ حَرْبِيٍّ حَرْبِيٍّ». فالحربي معلوم أن الكافر على أربعة أنواع: حربي، وهو الذي يحارب المسلمين، وذمي، وهو الذي يدفع الجزية، ومستأمن، وهو الذي يدخل بلاد المسلمين على أمان من الحكومة أو من بعض المسلمين، ومعاهد. فالحربي هذا لا يجوز أن يوقف عليه، أما إذا كان الذمي فيدخل في الذمي والمعاهد، وأما المستأمن فهو حربي أصلا، لكن أمن بدخوله بلاد المسلمين دخل بأمان، فأيضا بعض أهل العلم يدخل حتى المستأمن، لأن المستأمن يكون ماله حرامًا، على ماله يعتبر معصومًا مادام أنه دخل بأمان. وأما الحربي فلا يجوز أن يوقف عليه لأن ماله ليس بمعصوم. «وَكَنِيسَةٍ وَنُسْخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ» قال: هذه لا يجوز الوقف عليها. قال: «وَكَذَا الْوَصِيَّةُ» أي في الحكم في الوصية كذلك، فإن ما لا يصح وقفه لا تصح الوصية به. يعني يريد: وكذا الوصية، أي كل ما لا يجوز وقفه لا يجوز الوصية له، وسيأتي الكلام على الوصية. «وَقَفٌ عَلَى نَفْسِهِ» أي لا يصح الوقف على نفسه. أنا مثلا لو قال: «أوقفت داري لي ثم أولادي من بعدي»، ما يقول لا يصح، كما لا يصح بيعه على نفسه. وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد، وفي رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب بعض الحنفية كأبي يوسف، وأيضا بعض الشافعية: أن الوقف على النفس صحيح. أن الوقف على النفس صحيح، معناه يبقى له هذا الوقف في حياته. واستدل العلماء أو من قال بهذا القول بوقف بئر رومة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ دَلْوُهَا فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ»، فهو يأخذ مثل ما يأخذ أهل الإسلام، فأجزأ أن يكون الوقف من ضمن الآخذين ودخل في المنتفعين. وكذلك أيضا مثله إذا أوقف مقبرة، أوقف مكانا قال: «هذا مقبرة للمسلمين» فهو داخل فيها أيضا، أو وقف مسجدا أيضا يصلي فيه، فكذلك هنا قالوا: إذا أوقف شيئا لنفسه فيجوز. على مثلا يوقف بيتا يقول: «إجاره وقفا لي ثم لورثتي من بعد»، هذا ما في شيء. ويقول أيضا الحنابلة: لأنه يجوز له أن إذا أوقف على غير نفسه أن يشترط غلة كلها وبعضها، على الريع، الغلة التي تخرج أو الإيجار أو كذا، مثلا يكون بعضه وقفا وبعضه له، فيجوز ذلك لقول عمر رضي الله عنه: «لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ»، وهذا أيضا صحيح. فالصحيح أن الإنسان يجوز أن يوقف على نفسه ثم مثلا أولاده أو ثم الفقراء ثم كذا، ويستفيد من هذا الوقف أنه يؤجر على وقفه هذا. طيب، شان نكتفي بهذا. أخذنا الشرط، الشرط الثالث نتركه في الدرس القادم: الوقف على المباح، لماذا لا يصح الوقف على المباح؟ لأنه لا يستفاد منه، ليس بطاعة، والوقف أصلا عبادة. هو عبادة، مثلا كما قلنا: كرة، يجعل هذا وقف، يقول: «هذا ملعب للكرة وقف»، سرور، وقف على المباح، سرور، لكن في مخالفة في معناه، هو شيء مباح ليس شيء طاعة. هو يكون محرم، صح، إذا كان في مخالفات يكون محرم، وما يجيء هذا شيء مباح قد يوصل إلى الحرام. لكن المباح الذي لا يوصل إلى الحرام، لكن أكثر أهل العلم، بل اتفاق أهل العلم، لأنه لا بد يكون على بر، على طاعة، لأنه أمر تعبدي، ما يوقف على شيء مباح.