المحاضرة بعنوان فاعتبروا يا أولى الأبصار، والتي كانت بمسجد عبدالرحيم بالحوطة - الشحر يوم الجمعة 17 رجب 1446هـ الموافق 17 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُبرز المقطع جلاء بني النضير من حصونهم المنيعة رغم ظنهم بالحماية، وكيف قذف الله الرعب في قلوبهم فخربوا بيوتهم بأيديهم. كما يستعرض هلاك قارون وفرعون وغيرهما من الأمم التي اغترت بقوتها، مذكراً بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
يسرد المقطع ظلم فرعون لبني إسرائيل وقتل الأبناء، وولادة موسى في عام الذبح وإلقاء أمه له في اليم بأمر الله، ثم تربيته في قصر فرعون. ويختتم بنجاة موسى وقومه بانفلاق البحر وإغراق فرعون وجنوده.
يذكر المقطع هلاك فرعون وجنوده غرقاً بعد استكبارهم، وهلاك قوم عاد بريح صرصر رغم قوتهم، وقوم نوح بالطوفان رغم دعوة نبيهم الطويلة. ويؤكد أن عاقبة المتكبرين المكذبين هي العذاب في الدنيا والآخرة، وأن الإيمان عند معاينة العذاب لا ينفع.
أهلك الله قوم نوح بالغرق لنكثهم، ثم أرسل صالحاً إلى ثمود فطلبوا آية فأخرج الله لهم ناقة من الصخرة، فعقروها وتحدوا بالعذاب، فأهلكهم الله بالصيحة بعد ثلاثة أيام جزاء كفرهم وعنادهم.
السلام عليكم في الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك، هذا المجلس الطيب في هذا المسجد المبارك، مسجد عبد الرحيم في مدينة الشحر، الذي كان له فضل من الله سبحانه وتعالى في انطلاق الدعوة السلفية في بدايتها. شكر الله جل وعلا للقائمين عليه، ورحم الله جل وعلا من مات من إخواننا الذين كانوا قائمين على هذا المسجد المبارك. وشكر الله للأخوين الفاضلين والشيخين المباركين أبي العباس وأبي حمزة على ما تكلمَا، وما أفادَا، وما نصحَا به. ونسأل الله جل وعلا أن يجعل ما قالاه في ميزان حسناتهما. حباب الله، عنوان كلمتنا -كما سمعتم- ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾. هذه الآية ذكرها الله عز وجل في شأن بني النضير في سورة الحشر. قال ربنا جل وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾. بني النضير -أو بنو النظير- هذه الآيات في بني النضير، كانت لهم حصون منيعة قوية، حتى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يظنون أنهم سيخرجون وسيفارقون هذه الحصون، وهي بهذه القوة وبهذه المتانة وبهذه المكانة. لكن أمر الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وقوة الله سبحانه وتعالى تضمحل أمامها جميع القوى. ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ﴾، ظنوا أن هذه الحصون ستنفعهم وستمنع أمر الله سبحانه وتعالى عليهم. ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾، ما كانوا يظنون أن يقع ذلك. ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾، كيف لا، والذي حاصرهم هو خير الأنبياء والرسل، الذي نصر بالرعب مسيرة شهر. كيف لا يقع الرعب في قلوبهم، والرسول عليه الصلاة والسلام مؤيد من الله سبحانه وتعالى؟ ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وأذن لهم أو أذن لهم أن يحملوا ما يستطيعون حمله على البعير، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ويحملون ما استطعوا من الطعام والزاد وأمتعتهم، وخرجوا أذلاء، وخرجوا مهانين. قال الله جل وعلا: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾. اعتبروا واتعظوا أن هذه عقوبة الظالمين، وعقوبة الكافرين، وعقوبة المجرمين، مهما عظمت قوتهم، ومهما قويت شوكتهم، فالله جل وعلا ناصر دينه، ومؤيد رسله، ومنتقم لعباده. ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. ألا يسيرون فينظرون ويتفكرون ويتعظون ويعتبرون كيف كانت عاقبة من مضى من الأمم والقرى والدول التي كان عندها من القوة ما عندها، وكانوا أشد قوة ممن جاء بعدهم، وآثارهم في الأرض في البنيان والعمران، في بناء القصور ونحت الجبال وحفر الآبار، وكل ذلك ما أغنى عنهم، ولا دفع عنهم عذاب الله سبحانه وتعالى. ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾، من واق يقيهم عذاب الله، ويدفع عنهم أمر الله سبحانه وتعالى. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. انتقم الله عز وجل منهم بسبب ذنوبهم وإعراضهم وكفرهم، ولأن الله جل وعلا هو القوي سبحانه وتعالى الذي لا قوى تقف أمام قوته مهما عظمت ومهما كبرت. فالله عز وجل هو القوي العزيز، كما أخبر الله عز وجل في آيات من القرآن: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾. هو القوي، هو القوي سبحانه الذي له العزة والغلب والقهر، وهو القهار، وهو جل وعلا القاهر، وهو الواحد القهار، وهو القاهر فوق عباده، وهو المنتقم سبحانه وتعالى من الظالمين والكافرين والمجرمين: ﴿ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾. كم من القرى التي كانت عندها قوة لكنها لم تنفع أمام قوة الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. قارون الذي آتاه الله عز وجل من الأموال والكنوز ما لم يؤت أحد مثله، حتى قال الله جل وعلا في وصف مفاتيح كنوزه: ﴿ وَإِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾. مفاتيح الخزائن تثقل على الرجال الأقوياء حملها، فكيف بالكنوز نفسها وكيف بما فيها؟ أعجب بنفسه، واختال بما أتاه الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾، أي على علم أنه أهل لذلك أن يؤتى لهذه الأموال والكنوز. حذره قومه: ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾. هذا الفرح المذموم، فرح الوَروَر والعُجْب والكِبر. ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾. قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾. أهلك الله عز وجل قرونًا كثيرة، أشد منه قوة وأكثر منه جمعًا وعددًا، وما أغنى ذلك عنهم من الله شيئًا. خرج على قومه مختالًا متكبرًا معجبًا، كانت النهاية. قال الله عز وجل: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾. نهايته الخسف، خسف الله عز وجل به وبكنوزه، فما أغنت عنه من الله شيئًا. أين القوة؟ وأين التكبر؟ وأين إعجابه بنفسه؟ هل نفع ذلك؟ هل أجاب؟ لا، بل ضره، وكان سببًا في هلاكه. وهذا فرعون، طاغية، الذي ادعى الربوبية: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾، وادعى الألوهية، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾، ﴿ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا أَنَا ﴾. هكذا يزعم هذا الكافر المتكبر. طغى، تجبر، واستكبر، وأفسد في الأرض، وبغى على بني إسرائيل، يذبح أطفالهم ويستحيي نساءهم: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾. مفسد لأنه يدعو إلى الكفر وإلى الظلم، إلى البغي والفجور. بعث الله عز وجل إليه موسى، بل أخبر بمن أخبره من الكهان أنه سيولد طفل من بني إسرائيل يكون زوال ملكه على يده، سيزول ملكه وينتهي. فأمر بقتل الصبيان، أي صبي يولد يقتل، يذبح: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾. بغي وعدوان وظلم، استمط على ذلك فترة، فقال له الملأ: إن استمررت على هذا فني الرجال، وانتهوا. فاذبح عامًا واترك عامًا، عام يذبح فيه الصبيان، وعام يترك فيه الصبيان. ولد موسى عليه السلام في العام الذي يذبح فيه الصبيان، وولد هارون في العام الذي لا يذبح فيه الصبيان. الله عز وجل أراد أن ينفذ أمره، وأن يبين عظيم قوته وقدرته. ولد في العام الذي يذبح فيه الصبيان، وأوحى إلى أم موسى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾. هذه الآية اشتملت على أمرين، وعلى نهيين، وعلى بشارتين. قال الله عز وجل: ﴿ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ ﴾، هذان أمران: الرضاع والإلقاء. ثم قال: ﴿ فَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ﴾، وهذا النهيان: نهي عن الخوف، ونهي عن الحزن. ثم بشرها ببشارتين: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾، هذه البشارة الأولى، وفوق ذلك: ﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾، ليس فقط سيعود إليك وينجو، بل فوق هذا سيكون رسولًا، يوحى الله عز وجل إليه من الوحي ما شاء. فعلى ذلك ألقت بفلذة كبدها في الماء، وضعته في صندوق، ألقته في الماء، التقطه آل فرعون، ليكون لهم عدوًا وحزنًا: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾. لما رأتهم، رأت فرعون، قذف الله في قلبها حب موسى، وقع في قلبها حب موسى عليه السلام، قالت: ﴿ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾، وهم لا يشعرون، ما يشعرون ولا يعلمون أن هذا الذي سيزول به ملك هذا الطاغية، هذا الطاغية. ثم أرادوا أن يرضعوه، فلم يقبل ثدي امرأة، لم يقبل ثدي امرأة، وهم حريصون على سلامته وعلى رضاعته. انظر إلى حكمة الله سبحانه وتعالى، أراد الله عز وجل أن يعيش موسى مكرمًا، وأن يرجع إلى أمه، وترضعه أمه بسلامة وأمان. في أول الأمر كانت في خوف، ثم رجع إليها تحت رعاية هذا الظالم الكافر. قالت لأخته: ﴿ قُصِّي عَلَيْهِ ﴾، انظري خبره، ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾. ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ﴾، حرمنا يعني منعنا أن يقبل ثدي امرأة، حتى يرجع إلى أمه. ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾. ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. الله وعد بأنه سيرجع، سيعود إليها، وسيكون من المرسلين. فعاد، عاد إليها، ورضعته بأمان وسلام حتى كبر، وأوحى الله عز وجل إليه، وعاد إلى فرعون يدعوه إلى الله، وجمع السحرة من كل مكان. وكان السحر منتشرًا في زمن موسى عليه السلام، ولهذا كانت الآية، أو من الآيات التي أيد بها موسى، ما يوافق ما عليه أهل ذاك الزمان، وهذه من حكمة الله أن يؤيد الرسول بمعجزة توافق ما عليه أهل زمانه. وما عليه أهل زمانه، وعيسى عليه السلام، لما كان أهل زمانه أهل طب، أيد الله عز وجل بالمعجزات المناسبة لذلك، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله. النبي عليه الصلاة والسلام، لما بعث في قوم أهل فصاحة وبلاغة، أيد الله عز وجل بهذا القرآن الذي فيه من الفصاحة والبلاغة ما أعجز به الفصحاء والبلاغة أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة. فأيد موسى عليه السلام من جنس ذلك، أن يلقي عصاه فإذا هي حية عظيمة. جمع السحرة، وأمرهم بإلقاء سحرهم، فألقوا عصيهم وحبالهم، ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾، أنها تتحرك. ألقى موسى عصاه، ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾، ابتلعت كل ما ألقى السحرة من العصي والحبال. فعلم أولئك السحرة أن هذا ليس بسحر، هم يعرفون السحر، ويعرفون الشعوذة والكذب والدجل، علموا أن هذه آية ومعجزة أيد الله عز وجل بها موسى عليه السلام. فما كان منهم إلا أن آمنوا، قالوا: ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾. مباشر، قال: ﴿ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾. آيات تهديد بالقتل، وكذلك الصلب. مه ذلك شيء؟ قالوا: ﴿ اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾. الله أكبر! انظروا إلى الإيمان إذا وقر في القلب، وخالط بشاشة القلوب، لا يفارقه أبدًا. كما قال هرقل لأبي سفيان: أحد يرجع من دينه سخطة لدينه؟ وهو يسأل أبا سفيان، قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، ما يرجع الإنسان، ما يفارق دينه. المؤمن حقًا، ثباتهم مثل الجبال، ما تزعزعهم فتن، ولا شهوات الدنيا، ولا كذلك شبهات أهل الباطل. ثم كان بعد ذلك، نجى الله عز وجل موسى ومن معه من المؤمنين، وتابعه فرعون وجنوده، حتى أدرك قوم موسى البحر. البحر أمامهم، وفرعون وجنود خلفهم. قال أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾، خلاص، سيدركنا فرعون وجنوده، أين نذهب وأين نهرب؟ هذا البحر أمامنا، والعدو خلفنا. قال موسى وهو واثق بنصر الله عز وجل: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾، الله عز وجل سيهدي إلى ما فيه النجاح والسلام والنصر. قال الله عز وجل: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾، كالجبل الشامخ. وجعل الله عز وجل الأرض يابسة: ﴿ فَاسْلُكْ بِهِمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ﴾، ما سيدركوك، ولا تخشى. بذلك جعل الله عز وجل الأرض يابسة، بحر ينفلق كالجبل، كالجبال. أين ذهبت الأسماك العظيمة؟ هناك من الأسماك ما ربما طوله كهذا المسجد، الأكبر. أين ذهبت في ذلك الوقت؟ وكيف أصبحت الأرض؟ ومعروف أرض البحر رخوة، رطبة، فيها الطحل التي لا تستقيم عليه القدم، جعلها الله يابسة حتى يمر عليها موسى ومن معه. فمر موسى ومن معه من المؤمنين، وجاء فرعون بجنوده، وهو في يعني كبريائه وغطرسته وإعجابه، حتى توسط البحر. أمر الله عز وجل البحر أن يرجع كما كان، فأهلك الله جل وعلا فرعون ومن معه. قال الله عز وجل: ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾. هذه عاقبة الظالمين. أغرقه الله عز وجل، كان يفتخر بالأنهار التي تجري مما أجراه الله عز وجل، ويقول: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾، ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينِ ﴾. أن يقصد موسى عليه السلام، يصفه بأنه مهين، ذليل، ولا يكاد يبين إذا تكلم، ونطق. فأجرى الله عز وجل المياه من فوق رأسه، وأغرقه الله عز وجل. وانظروا لما غرق وأدرك الموت، قال: ﴿ آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾. بالأمس يقول: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾، ﴿ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا أَنَا ﴾، ويقول: ﴿ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾. وصدق الله عز وجل إذ قال: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾. كان عاقبة الظالمين، لما أدركه الموت وأدرك الغرق، قال: ﴿ آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾، هذا الإله الذي كان يكفر به بالأمس. ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾. استهزاء وسخرية. موسى أخبره أنه إله في السماء، فقال ذلك استهزاءً وسخريةً وإنكارًا. يقول: انظر، ابني لي صرحًا، بناءً عاليًا، قلعة شابخة، حتى أنظر إلى إله موسى الذي يزعم موسى أنه في السماء، ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾. كذبوا وأنكروا. ولهذا قال أهل العلم، كما ذكر ابن أبي العز رحمه الله في شرح الطحاوية: أن من قال إن الله في السماء فهو موسى، هذه عقيدة موسى عليه السلام، وهي عقيدة نبينا عليه الصلاة والسلام، بل هي عقيدة جميع الأنبياء، أن الله عز وجل في السماء، ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾. ومن أنكر أن الله في السماء فهو فرعون، لأن فرعون أنكر أن الله عز وجل في السماء، فأغرقه الله عز وجل وأهلكه. ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾، عبرة وعظة، ينتفع بها من كان من أنذالهم من المتكبرين، ومن الكافرين والمجرمين، أن هذه نهايتهم، وهذه عاقبتهم. قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾. الله عز وجل بالمرصاد لكل متكبر وكافر وظالم وباغٍ. عاد، آتاهم الله عز وجل قوة عظيمة، حتى قال الله عز وجل: ﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾، بمثل قوتهم التي آتاهم الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾. انظروا إلى الغرور: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾، نحن أقوى من في الأرض. كحال بعض الدول اليوم، تغتر بقوتها، تقول: من أقوى منا؟ من يستطيع أن يقف أمامنا؟ وهم يغفلون عن قوة الله سبحانه وتعالى، القوي العزيز، الجبار، المتكبر، القهار. ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾، وكانوا بآياتنا يجحدون. نسوا، وجهلوا، وغفلوا أن الله عز وجل أقوى منهم، وأن الذي آتاهم هذه القوة هو القوي سبحانه وتعالى، القادر على سلب قوتهم، وعلى إبطالها وإخمادها. قال الله عز وجل: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. أرسل الله عز وجل عليهم ريحًا صرصرًا، باردة، شديدة، قوية، في أيام نحسات، نحسات عليهم، سبع ليال وثمانية أيام، حسومًا متتابعة. ﴿ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾. ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾. أرسل الله عز وجل عليهم هذه الريح سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، فأهلكهم الله، فترى القوم فيها صرعى، هلكى، كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي جذوع نخل قد قطعت وفصلت رؤوسها من جذوعها. قال ابن كثير في التاريخ والسير: كانت الريح تأخذ الواحد منهم فتلقيه على رأسه فينفصل الرأس عن الجسد. أين القوة التي كانوا يدعون وكانوا يزعمون؟ لم تنفعهم أمام قوة الله سبحانه وتعالى، وأمام قدرة الله سبحانه وتعالى وأمره. قال الله جل وعلا: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾، ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ ﴾. وقال جل وعلا بعد ذلك: ﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴾، أي أهلكناهم إهلاكًا. قوم نوح، قوم ثمود، قوم نوح، حرص نوح عليه السلام على هداية قومه، فلم ينفع ذلك. قال: ﴿ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾. هناك استكبار وكبرياء. أمره الله عز وجل أن يصنع السفينة، كلما مر عليه ملأ من قومه يسخرون منه، يسخرون من نوح عليه السلام، رسول، أول رسول، رسول الله إلى أهل الأرض، يسخرون منه. قال: ﴿ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾. لماذا سخروا منه؟ يقول: أنت رسول، تصنع سفينة، هذا عمل النجارين، تستنبط نجارًا. والأمر الثاني: يسخرون منه لأنه يصنع سفينة في الأرض، في اليبس، والسفينة إنما تنشأ في الماء، وليس هناك ماء. ولا يعلمون ما الذي ينتظرهم، ينتظرهم حتى جاء أمر الله عز وجل: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾. قليل، لمن آمن معه. معه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. أمر الله عز وجل أن يركب في السفينة هو ومن معه، قال: ﴿ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وهي تجري بهم في موج كالجبال. تخيل موجًا كالجبال العظيمة. في هذا الحال، نادى نوح ابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾. قال: ﴿ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ﴾، سأصعد، أصعد إلى جبل، أعصم نفسي من الماء. وما يعلم أن هذا الماء ليس كأي ماء، وهذا المطر ليس كأي مطر، هذا مطر عذاب وهلاك. قال: ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ﴾، وحال بينهم الموج، فكان من المغرقين. أهلك الله عز وجل كل من كفر بنوح من قومه، حتى انتهت الأجساد إلى القبر، والأرواح إلى النار. وثمود، آتاهم الله عز وجل آية عظيمة، بعث الله إليهم نبيًا صالحًا عليه السلام، دعاهم إلى الله، وحثهم، ورغبهم، فأبوا. طلبوا آية، قالوا: ﴿ أَخْرِجْ لَنَا نَاقَةً مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ ﴾. دعا الله عز وجل، وأخرج الله لهم ناقة. قال: ﴿ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾. فعقروها، ما مسوها بسوء، بل عقروها وقتلوها. قال: ﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾، لكم ثلاثة أيام. وقبل هذا، قالوا لصالح عليه السلام: ﴿ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾، تحدٍ. انظروا إلى الكبرياء والغرور، يتحدون بالله عز وجل، صالحًا، أن يعجل لهم بالعذاب، كما قال الله عز وجل عن هؤلاء الكفار: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾، أي قبل يوم القيامة، عجل لنا بالعذاب. وكما قال الله عز وجل عنهم: ﴿ وَقَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. وهذا مما أكرم به نبينا عليه الصلاة والسلام، أن الله عز وجل رفع العذاب العام عن هذه الأمة بوجود النبي صلى الله عليه وسلم. فلما عقروها، وأتوها، عقرها ثلاثة أيام، جاءهم أمر الله عز وجل، فأهلكهم الله عز وجل بالصيحة، حتى أخذت الصيحة بقلوبهم، فه