الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي البخاري حديث أبي هريرة عن رجل تعجب من ولادة غلام أسود له ولزوجته البيضاء، فشبّه النبي ﷺ الأمر بالإبل الحمر التي يظهر فيها اللون الأورق بسبب عرق أجدادي، مبيناً أن اختلاف اللون لا يبرر نفي النسب. استدل العلماء كالحنفية والشافعية بهذا الحديث على عدم وجوب الحد أو اللعان بمجرد التعريض دون الجزم بالنفي، خلافاً للمالكية.
يشرح المقطع أحكام التعريض بالقذف وأنواعه، مبيناً أن مجرد السؤال أو المشاتمة لا يوجب الحد، أما التعريض الصريح بالاتهام فيقام عليه الحد كما فعل عمر رضي الله عنه. كما يبين أن اختلاف لون الولد عن والديه لا يدل على الزنا بل هو من خلق الله في تنوع السلالات والألوان عبر الأجيال.
يبيّن المقطع أن عدم شبه الولد بوالده لا يبرر اتهام الزوجة، فقد تظهر صفات الأجداد، ويقرر القاعدة الفقهية: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، مقدّماً حكم الفراش (الزوجية) على الشبه والقيافة، كما في قضاء النبي ﷺ بين سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، مع مراعاة الشبه في الجانب الاحتياطي بأمر سودة بالحجاب منه.
رغم الحكم بأن الرجل أخ للمرأة، أمرها النبي ﷺ بالاحتجاب منه بسبب وجود شبهة في النسب. ويُختتم الحديث بتأكيد أن هذا ما ورد في الرواية، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب إذا عرض بنفي الولد". إذا عرض هذا الشخص أو الزوج بنفي الولد الذي ينسب إليه. قال: حدثنا يحيى بن قزعة، وهو من مشايخ البخاري المدنيين، قال: حدثنا مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، عن ابن شهاب، محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر الزهري، قال: عن سعيد بن المسيب، أبو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، إمام من أئمة المسلمين، أبو محمد، رحمة الله عليه، قال: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود. أنا أتعجب: لماذا ولد له غلام أسود وهو أبيض وزوجته بيضاء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنَّى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق. وهذا الرجل كما جاء عند أبي داود أنه من بني فزارة. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا بين له أنه لا ينبغي أن يعرض بالولد لعجل أن لونه كذا. فهذا الشخص عرض ولم ينفِ، لم يقل: إن هذا ليس بولدي، لكن هو الآن استغرب: من أين جاء هذا الولد الأسود؟ ورأى أنه أبيض وزوجته بيضاء، فكيف جاء ولد أسود؟ وهذا من حكمة الله جل وعلا ليشرع للعباد أنه ليس معنى إذا كان لونه غير لون الأبوين أنه يشك فيه، لا. فقد يكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعله نزعه عرق". فقد يكون الإنسان لونه أبيض وزوجته كذلك، لكن من أجداده من هو أسود، والعكس كذلك. وقد جاء أيضا كذلك عند أبي داود أن رجلا أيضا اتهم زوجته بأنها جاءت بولد قال: كالوزغة من شدة بياضها. وكانت هذه أمة، أمة من النصارى من الروم، أمة رومية، فجاءت له بولد كالسحلية أو كالوزغة. فقيل له: هل تتهم أحدا؟ قال: ما أظن إلا ذاك الرجل من قومها، رطن لها وأوقعها. فقال الظاهر -أو قال له-: لعله نزعه عرق. فهذا في التعريض. التعريض معناه: عندما يسأل إنسان ولا يجزم، لأنه لو جزم فهذا يعتبر لعانًا، نفيًا للولد. لكن هنا ما جزم، لكن يعرض: من أين جاء لي هذا الولد؟ من أين لي جاء هذا الولد الأسود وأنا أبيض وزوجتي بيضاء؟ فلهذا احتج كثير من أهل العلم، كالشافعي وغيره، بهذا الحديث على أنه لا حد في التعريض ولا لعان به، لأن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث لم يوجب على هذا الرجل الذي عرض ببراءته حدًا. وقال المالكية: أوجبوا الحد في التعريض واللعان بالتعريض. وهذا الحديث يدل على القول الأول. ولهذا أيضا جاء في الحديث الذي سيأتي في الصحيحين: أنه يُمر... أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رُئي رجل وجد مع امرأته رجلا فيقتله؟" فقال: لا. قال: يأتي بأربعة شهود أو حد في ظهر. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقم عليه حدًا لأنه مُعَرِّض. والتعريض أنواع: قد يكون التعريض على سبيل السؤال، ما عنده استشكال في الأمر، فهذا لا شيء فيه، ليس فيه حد. وقد يكون أيضا التعريض على سبيل المشاتمة والمواجهة، فهذا أيضا على الصحيح أنه ليس فيه حد، وإن كان أعظم من الأول. على سبيل المشاتمة والمواجهة: أن يواجه هذه الزوجة ويقول لها: من أين هذا الولد؟ لماذا هذا الولد هكذا؟ هذا الولد ما يشبهك. هل عملتِ شيئا؟ ما لا يسألها هي ويواجهها، قد يشتمها. لكن إذا كان التعريض قذفًا، أحيانا يكون التعريض قذفًا واضحًا، فهذا يقام عليه الحد. ولهذا عمر رضي الله عنه ضرب رجلا، جلده، قال: "ما أنا بزان ولا أمي بزانية". قال: "ما أنا بزان ولا أمي زانية". فقال قوم: مدح أباه وأمه. وقال آخرون: قد كان لهما مدح غير هذا. معناه: إذا أراد يمدح يمدح على غير هذا. وهذا فيه قذف، قذف لأبيه، نزه نفسه وأمه فقال: "ما أنا بزان ولا أمي بزانية". فضربه عمر ثمانين جلدة لأن هذا تعريض لكنه فيه اتهام بالزنا. وكذلك إذا كان التعريض فيه اتهام، يكون فيه الحد أو الملاعنة، فيه الحد أو الملاعنة. وهنا قال الحديث: هل لديك إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قالوا: فيها من أورق؟ الأورق: والأغبر الذي يكون بين السواد والبياض، فليس هو بناصع بياض ولا أيضا بناصع سواد، على ما يسمونه الرمادي، أنا يشبه الرمادي، لأنه يشبه الرمادي. فهذا المراد به الأورق. من أين جاء هذا الأورق وإبلك حمر؟ فقال: لعله نزعه عرق. فكذلك هذا: لعله نزعه عرق. فلا ينبغي للإنسان أن يشك في امرأته لأجل لون، لون ابنه، لأن الإنسان تتغير سلالته، تتغير سلالته. فكذلك فكم من إنسان تجده مثلا آباؤه ألوانهم مثلا بياض زهد، ويأتي بعد ذلك الأبناء ألوانهم تميل إلى السواد. فهذا لا يدل على أنه زنى أو كذا، بل هذه الألوان تتغير. الآن تجد في كل مجتمع من المجتمعات تجد هناك من هو أسود، إذا كان المجتمع مثلا أسود تجد فيها من هو أبيض. كذلك العكس: إذا كان المجتمع -الذي معناه القرية أو المجتمع أو الدولة- أكثرهم فيهم بياض، تجد فيهم أيضا الأسود. فليس معنى ذلك أن هذا جاء بزنى أو كذا، لا. قد يكون هذا الأسود ابن ذلك الرجل الأبيض. فهذا من خلق الله جل وعلا، فلا يجوز الاتهام بسبب اللون، لا يجوز الاتهام بسبب اللون أو بسبب الشكل. أحيانا يأتي الطفل لا يشبه أمه ولا أباه ولا إخوته، أن يكون له شكل آخر، إما شكل أحسن أو أسوأ. والمهم أن شكله يكون شكل آخر. فهذا أيضا لا يدل على أن الإنسان يتهم زوجته بسبب شكل الولد، وإنما قد يكون هذا أيضا الشكل الموجود كان في أجداده. غالبا الولد لا يخرج عن أمه وأبيه، أي لا يخرج عن أسرة أبيه أو أمه، هذا الغالب. لكن قد يخرج، قد يخرج، والأمر لله جل وعلا. لكن غالبا كما قلنا: الجينات التي كما يقولون تتشابه، فيأتي ولد يشبه أبا من الآباء القدماء، عما قد يكون أب هذا الطفل لا يعرفه. فلهذا لا ينبغي أن يكون التشكيك في المرأة بسبب هذا، بسبب هذا، فيتهمها أو يشكك في عفتها بأنها جاءت بولد لونه كذا أو وجهه كذا. فهذا ليس صحيحا. وأيضا في هذا الحديث فيه مسألة من المسائل التي تذكر في هذا الباب، باب الاتهام وغيره، أن هنا في تقديم حكم الفراش على اعتبار الشبه. تقديم حكم الفراش: الفراش معناه الزوج أو السيد. يقدم حكم الفراش على اعتبار الشبه. لأن مسألة معرفة الولد وانتسابه إلى الشخص إما بالفراش، وهذا أول مرتبة، والمرتبة الثانية بالشبه. المرتبة الثانية بالشبه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال". فالشبه له دور، لكن الفراش يقدم عليه. وكذلك أيضا القيافة تأتي في مرتبة، أيضا القيافة والشبه يقدم عليها. القيافة هي نوع من أنواع الشبه لكن في بعضها، مثل ما قال ذلك المدلج لما دخل وكان أسامة نائما عند أبيه زيد بن حارثة، فقال: هذا المدلج. مع أن أسامة أسود وزيد أبيض، فقال: "إن هاتين القدمين بعضها من بعض"، أنا يقول: هاتين القدمين بعضها من بعض، هذا تشبه هذا، أنا هذه من هذه، مع أن أسامة أسود وزيد أبيض، لكن قال هذا. ففرح النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فلهذا: أولا حكم الفراش يقدم على غيره. حكم الفراش يقدم عليه. ولهذا لما اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، اختصم على ولد. فسعد يقول: إن هذا ابن أخي، عهد إلي أنه ابنه، وهذه الجارية هي لزمعة، والد عبد ووالد سودة. هذه الجارية هي له، لكن زنى بها عتبة في الجاهلية فولدت له هذا الولد. فقال سعد: إن عتبة أخي عهد إلي أن هذا ابنه. وقال عبد: إنما هذا أخي، ولد على فراش أبي، أنا ولد ولدته هذه الأمة التي هي فراش لزمعة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". العاهر: الزاني، ليس له إلا الخيبة والخسار، ليس له الولد، وإنما الولد يتبع الفراش. فقال: "الولد للفراش". فحكم به لعبد. لكن قال عليه الصلاة والسلام: "واحتجبي منه يا سودة". قال النبي عليه الصلاة والسلام: "واحتجبي منه يا سودة" لأجل الشبه. ولهذا سعد رضي الله عنه قال: ألا ترون أنه يشبه عتبة أخي؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقدم الشبه وقدم الفراش، فقال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". قال: ولأجل هذه الشبه قال: "واحتجبي منه يا سودة". مع أنه حكم أنه أخ لها، لكن قال: احتجبي منه يا سودة لأجل هذه الشبه، وهي الشبه. فهذا ما يذكر بهذا الحديث. والله تعالى أعلم. شكرا شكرا شكرا