الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
سألت قريش أحبار اليهود عن ثلاث مسائل لتمتحن النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم اليهود بالسؤال عن أهل الكهف وذي القرنين والروح. وعدهم النبي بالجواب غداً دون أن يستثني بقوله إن شاء الله.
انقطع الوحي عن النبي خمس عشرة ليلة ثم نزلت سورة الكهف معاتبةً على حزنه ومبينةً قصص الفتية وذي القرنين. طلب المشركون آيات مادية كجعل الصفا ذهباً، فخير الله النبي بين إهلاكهم أو إمهالهم فاختار الرحمة.
روى الحديث أن قريش طلبت تحويل الصفا إلى ذهب، وقورن ذلك بمائدة عيسى وناقة صالح. خير جبريل النبي بين العذاب الفوري أو فتح باب التوبة، فاختار النبي باب التوبة والرحمة.
يبرز المقطع شفقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعظيم صبره، وحرصه الشديد على أن لا يعذب الله أمته. عبر عن ذلك بالكتابة لتوثيق هذا الاهتمام الرحيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الحافظ الذهبي رحمه الله: باب: ويسألونك عن الروح. قال يحيى بن أبي زائدة -أي الكوفي- عن داود بن أبي هند -وهو بصري ثقة- عن عكرمة عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلا. معنى كأنهم استنكروا وتعجبوا: وقد أوتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا. قال: فنزلت قوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾. قال: وهذا إسناد صحيح. وهذا أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في باب: ويسألونك عن الروح، عن نفس الباب الذي بوبه الذهبي رحمه الله. وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكأنه في بعض نسخ سيرة ابن إسحاق فيه أنه رجل من أهل مصر. قال: أن مشركي قريش بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته -أنا وصفوا لهم صفتان- أنا وصفوه لهم ماذا يقول، ووصفوه أيضا الصفة الخلقية التي خلقه الله عز وجل عليها، وأيضا أقوال وأفعال. قالوا: أخبروهم من قوله، فإنهم أهل الكتاب وهذا لما كانوا في مكة وعندهم علم ما ليس عندنا. قال: فقدما المدينة -فقدما المدينة أي النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط- قال: فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم أمره ببعض قوله. فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نبأه -يريدون بهذا الرجل ذا القرنين-. قال: وسلوه عن الروح ما هو. قال: فقدما مكة، فقال: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم. قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أخبرنا. وسألوه، فقال: «أخبركم غدا»، ولم يستثنِ -لم يستثنِ معنا، لم يقل: إن شاء الله-. فانصرفوا عنه، فمكث خمس عشرة ليلة لا يحدث عن الله -أو قال: لا يحدث، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا- ولم يأتِه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا غدا واليوم خمس عشرة. وأحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَكْثُ الوحي. ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته على حزنه، وخبر الفتية والرجل الطواف، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وهذا الحديث فيه هذا الرجل المجهول، وجاء كما قلنا في بعض الروايات أنه رجل من مصر. قال: جاء إلى المدينة قبل أربعين سنة، لكن القصة لها شواهد تدل على صحة أصلها. وقال جرير بن عبد الحميد: ومنها ما تقدم أنه سألوه عن الروح، لكن الذي جاء في حديث البخاري أن اليهود هم الذين سألوا عن الروح، وهذا في المدينة. قال: وأما حديث ابن مسعود فيدل على أن سؤال اليهود عن الروح كان بالمدينة، ولعله صلى الله عليه وسلم... أما حديث ابن عباس فيدل على أن سؤال اليهود عن الروح كان بالمدينة، ولعله صلى الله عليه وسلم سئل مرتين. وهكذا قال أيضا الحافظ ابن حجر والحافظ ابن كثير وجماعة: قالوا: لعل النبي صلى الله عليه وسلم سُئل في مكة وسُئل في المدينة. وقال جرير بن عبد الحميد -وهو الضبي- عن الأعمش عن جعفر بن إياس بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهذا إسناد الصحيحين، وقد رواه أحمد بهذا الإسناد. قال: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فيها -يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فيها-. هذه الآيات أو الأشياء التي سألوها. وجاء في بعض الروايات: لكن لها لا تصح، قالوا له: إن الله جعل لصالح ناقة، جعل له آية وهي الناقة، وأنت نريد منك أن تجعل لنا الصفا ذهبا. فقال الله: إن شئت آتيناهم ما سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم، وإن شئت أن نستأني بهم. قال: بل تستأني بهم. وأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. في نسخ بعض النسخ بالتاريخ. قال: أو نستحي منهم. في رواية الحاكم، والظاهر أن هذه الكلمة: «أو نستحي منهم» كأنها زيادة، أو قال: «يستحي منهم» كأنها زيادة تفسيرية من بعض الرواة أو من الحاكم أبي عبد الله، لأنها ليست موجودة إلا في المستدرك، والحديث موجود عند أحمد وبُيَعْلَى والبزار وغيرها من المراجع، ليست موجودة في هذه الزيادة. وهنا كأن أيضا الكاتب هنا حذفها، الله أعلم لماذا حذفها، قد يكون لأجل أنه لم يراها في الحديث عند أحمد، أو أنه عرف أنها ليست صحيحة فحذفها، أو أن النسخة التي معه ليست فيها هذه الزيادة. فهذا الحديث قال الله عز وجل لما طلبوا... هذا الحديث صحيح بإسناد صحيح كما ذكر، وجاء أيضا كذلك قال: حديث صحيح. ورواه سلمة بن كهيل عن عمران عن ابن عباس، وروي عن أيوب عن سعيد بن جبير، وكلها صحيحة عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في سؤال قريش أن يجعل الله عز وجل لهم الصفا ذهبا. فقال: إن شئت أن يستأني بهم، أن يتأخر بهم، لأنه لو عجل لهم ما طلبوا وكفروا أهلكوا، كما قال الله عز وجل لعيسى لما قال الله عز وجل لما طلب من الله المائدة: قال عيسى بن مريم: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾. أنا لما طلبوا منه المائدة -معنى التي فيها الطعام- وكذا، فقال الله عز وجل: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. فقال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، فالله عز وجل قال: سأزلها عليهم، لكن إن كفروا بعد ذلك، أو كفر أحد منهم، لأن هذه آية ما تحتاج إلى أن يكفر بعد ذلك منهم أحد، فأقيمت عليهم الحجة -التي معنى الحجة الظاهرة البينة التي لا تحتاج إلى عذر أبدا- في الدنيا. فلهذا فالله عز وجل قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وهكذا هنا قال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام: «فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم». «فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم». الله عز وجل لما أنزل على قوم صالح آية بحسب طلبهم جاءت لهم الناقة، فعقروا الناقة وعتوا عنها من ربهم، وقالوا: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فجاءهم بعد ذلك عذاب الله جل وعلا. فلهذا قال جبريل هذا. وجاء في رواية عمران -أو سهيل- سلمة بن كهيل عن عمران بن أبي حكيم عن ابن عباس أن جبريل قال: «يا محمد إن ربك يقول لك: إما أن أنزل عليهم، أو أن أجعل الصفا ذهبا، فإن عاندوا وكفروا فإن يعذبهم، وإن لا أستأنس بهم وأفتح لهم باب التوبة والرحمة». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «باب التوبة والرحمة، بل باب التوبة والرحمة». وهذا من شفقة النبي عليه الصلاة والسلام وعظيم صبره وحرصه على الأمة أن لا يعذبهم الله. فكتب بهذا.