الخطبة بعنوان نعمة السمع، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 13 شعبان 1445هـ الموافق 23 فبراير 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُذكر في القرآن الكريم صفة الإعراض عن اللغو كإحدى صفات المؤمنين، حيث يعرضون عن الكلام الذي لا يرضي الله. هذا الإعراض يعكس تحملهم لمسؤولية استخدام نعمة السمع في طاعة الله.
ينبغي على المؤمن توجيه سمعه لسماع كتاب الله وتدبره لزيادة الإيمان والتقوى، وتجنب سماع المحرمات الصوتية مثل الأغاني والموسيقى لأنها تفسد القلب وتزرع النفاق.
يجب على المسلم أن يحذر من الاستماع للكلام الذي يفسد الأسماع ويضاد كتاب الله، ويخصص سمعه لسماع كتاب الله وسنة رسوله، مع اختلاف حكم السماع بين واجب ومستحب ومباح ومكروه وحرام حسب ما يُسمع.
إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، فإن ربنا جل وعلا قد ذكر في كتابه الكريم صفات للمؤمنين كثيرة، ولهذا عباد الله هذه الصفات التي يتخلق بها أهل الإسلام ويتخلق بها أهل الإيمان قد فصلها ربنا جل وعلا وذكر تفاصيلها في كثير من السور. وفي هذا المقام، عباد الله، نأخذ صفة من هذه الصفات التي ذكرها ربنا جل وعلا في سورة القصص، فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. فهذه الآية، عباد الله، ذكر ربنا جل وعلا أن من صفات أهل الإيمان أنهم إذا سمعوا ما لا يرضي الله جل وعلا، وإذا سمعوا ما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، فإنهم يعرضون عن ذلك. إن السمع، هذا السمع الذي جعله الله عز وجل في الإنسان، هو نعمة عظيمة أعطاها الله عز وجل لهذا الإنسان حتى يسمع بها وحتى يشكر الله عز وجل بها. ولهذا، ربنا جل وعلا في آيات كثيرة يقول: «يا أيها الذين آمنوا اسمعوا»، ويقول دائمًا: «اسمعوا وأطيعوا»، أي إذا كان هذا السمع الذي ينتفع به الإنسان هو ما أداه إلى طاعة الله جل وعلا وما أداه إلى الانتفاع بما يسمع. عباد الله، اعلم أن هذا السمع نعمة من الله عز وجل أنت مسؤول عنها، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. أي ستسأل عن هذا السمع الذي تسمع به، فماذا تسمع بهذا السمع؟ فإن السمع نعمة عظيمة، فإن من فقدها فقد شيئًا عظيمًا. ولهذا، تجد أن السمع فقده أكثر من فقد البصر، لأن الإنسان يستفيد بالسمع أكثر مما يستفيد بالبصر. في هذه الآية، عباد الله، يخبر ربنا جل وعلا أن المؤمن ينبغي أن يجعل سمعه لله جل وعلا، أن يجعل سمعه لله سبحانه وتعالى فيسمع به الخير ولا يسمع به الشر. فاجعل سمعك لله جل وعلا، اجعل سمعك مما يكون فيه نفعك في هذه الحياة، فاسمع كتاب الله جل وعلا، اسمع كتاب الله وتدبر ما فيه منها من الآيات العظيمة. فإن الله عز وجل قد ذكر من صفات أهل الإيمان أنهم يتأثرون بسماع كتاب الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. عباد الله، إن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يحب سماع القرآن، كان يحب سماع القرآن من غيره، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. كان عمر إذا اجتمع مع أصحابه يقول لعبد الله بن قيس، لأبي موسى الأشعري، يقول له: «سمعنا كلام ربنا»، أو يقول: «سمعنا كتاب ربنا»، فيقرأ عليهم أبو موسى. والآن، بحمد الله عز وجل، أن جعل مثل هذه الوسائل وهو ما يكون من سماعها في الجوالات وفي غيرها، أي سماع القرآن فيستطيع الإنسان أن يسمع بأي صوت أراد، يسمع أي سورة أراد فيسمعها في جواله أو في غيره من هذه الأجهزة. فهذه نعمة من الله ينبغي المسلم أن يحرص على سماع القرآن، وكذلك على تفهم هذا القرآن. عباد الله، ينبغي المسلم أن يجعل سمعه لكتاب الله جل وعلا، ولا يجعل سمعه لما يكون مضادًا لمثل هذه الأمور من اللغو ومن اللهو. فإن كثيرًا من الناس، بل من المسلمين، يحبون سماع الأغاني، يحبون سماع الموسيقى، وهي محرمة والعياذ بالله. يسمع من هذه الموسيقى التي تجعل قلبه يبتعد عن الله جل وعلا، وإن الغناء كما قال عبد الله بن مسعود: «ينبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل». فلهذا، عباد الله، ينبغي أن نجعل هذا السمع لله جل وعلا، ونجعل هذا السمع الذي هو نعمة من الله نجعله في طاعة الله جل وعلا. نسمع به كتاب الله، نسمع به أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسمع به علم الكتاب والسنة، نسمع به المواعظ. ولا ينبغي أن يتسخر في اللغو واللهو، فتسمع به ما يضاد كتاب الله جل وعلا. ولهذا، ربنا جل وعلا ذكر عن بعض من كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام من المنافقين، ذكر أن بعضهم يستمعون لهم، قال: ﴿وَمِنْكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. أي يستمعون قولهم ويستجيبون لقولهم، فإن هذا خطر على قلبك، فإنه يا عبد الله إن من أعظم المداخل التي تدخل على القلب ما يسمعه الإنسان. فليحذر العبد أن يعطي سمعه لهؤلاء الذين يفسدون الأسماع، واجعل سمعك لله جل وعلا، وسماعك كتاب الله، وسماع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحظى بالعز العظيم وتحظى بالدرجات العلى. فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من قوم يجلسون في بيت من بيوت الله جل وعلا يستمعون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». فنسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بكرمه سبحانه وتعالى ومننه سبحانه وتعالى ونعمته، وأن يديم علينا النعم جل وعلا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، عباد الله، في هذه الآية وهي قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾، فإن هذه الآية يأخذ منها حكم السماع كما ذكر الفقهاء رحمهم الله. أن السماع حكمه كأحكام الفقه، إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون مستحبًا، وإما أن يكون مباحًا، وإما أن يكون مكروهًا، وإما أن يكون حرامًا. فإن استماع القرآن في الصلاة من الواجبات العظيمة التي يجب على المسلم، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. والصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه يستحب سماع القرآن، وكلما سمع كثيرًا كلما كان أفضل وأفضل لنفسه ولقلبه. وكذلك، عباد الله، أن ما يقابله من سماع اللغو ومن سماع أيضًا كذلك ما يغضب الله جل وعلا، فإنه يكون من المحرمات. فليحذر العبد أن يسمع ما يغضب الله عز وجل، وليجعل سمعه في طاعة الله جل وعلا، نسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا وأن يرحمنا. الحمد لله رب العالمين، صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.