التعليق على مقدمة سنن الدارمي 13

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 13، ألقاها

تفضيل النبي محمد على الأنبياء وأهل السماء

يُبين تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وأهل السماء، حيث أرسل للناس كافة. غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مما يدل على عظيم منزلته.

شرح حديث فضائل النبي يوم القيامة وتقييم ألفاظه

يشرح حديثا ضعيفا عن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ويبين صحة بعض ألفاظه بوجود شواهد لها في أحاديث أخرى. ينتقد بعض الألفاظ لعدم وجود شواهد لها.

تفاوت مرتبة الخلة والحب بين النبي وإبراهيم عليهما السلام

يناقش تفاوت مرتبة الخلة والحب بين النبي محمد وإبراهيم عليهما السلام، ويبين أن الخلة مرتبة أعلى ثبتت لإبراهيم عليه السلام. ورد في حق النبي بأنه حبيب الله في حديث ضعيف.

فضل النبي في الشفاعة يوم القيامة

النبي محمد عليه الصلاة والسلام هو أول شافع وأول مشفع يوم القيامة، يشفع لأهل الموقف وبدخول أهل الجنة الجنة. هذه الشفاعة من خصائصه وفضائله عليه الصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل. قال أخبرنا إسحاق عن إبراهيم، قال: أخبرنا يزيد عن أبي حكيم، قال: حدثني الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، قال: إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا ابن عباس، بما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. قالوا: فما فضله على الأنبياء عليهم السلام؟ قال: قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾، فأرسله إلى الجن والإنس. وجه تفضيله عليه الصلاة والسلام على أهل السماء أن الله عز وجل أخبره بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأهل السماء توعدهم الله عز وجل بهذا الوعيد إذا اتخذوا إلها غير الله جل وعلا. ومن يقول منهم: «إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين»، وأخبر عن نبيه عليه الصلاة والسلام بمغفرة ذنبه ما تقدم وما تأخر. وهذا يلزم منه أنه عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يقع في شيء من الذنوب التي توجب غضب الله جل وعلا أو توجب دخول النار، فهو عليه الصلاة والسلام من أهل الجنة وممن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا لم يقع لأهل السماء -يعني من الملائكة-. و فضله على الأنبياء بأن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ يعني يبعث إلى قومه بلسانهم الذي يتكلمون به ويفهمون الخطاب حتى يحصل لهم البيان. وأما النبي عليه الصلاة والسلام فأرسل إلى كافة الخلق، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ لجميع الإنس والجن، وهذا من خصائصه وفضائله عليه الصلاة والسلام. ويؤيد هذا ما جاء في حديث جابر في صحيح البخاري في قوله عليه الصلاة والسلام: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي»، وذكر منه: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». قال أخبرنا عبيد الله عن عبد المجيد، قال: حدثنا زمعة -وفيه ضعف- عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فتسمّع حديثهم، فإذا بعضهم يقول: «عجبا إن الله اتخذ من خلقه خليلا، فإبراهيم خليله»، وقال آخرون: «ماذا بأعجب من كلم الله موسى تكليما»، وقال آخر: «فعيسى كلمة الله وروحه»، وقال آخر: «وآدم اصطفاه الله»، فخرج عليهم فسلم، وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبكم، أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة ولا فخر، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر». الحديث بهذا السند لا يصح لأن زمعة بن صالح ضعيف، لكن لكثير من ألفاظه شواهد تدل على صحتها. كقوله عليه الصلاة والسلام: «أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة وتحته آدم»، هذا صح عنه عليه الصلاة والسلام. وقوله: «أنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة»، هذا أيضا ثابت. وإخباره بأنه أول من يحرك حلق الجنة ثابت في صحيح الإمام مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من يقرع باب الجنة، وأول من ستفتح له الجنة، وأول من يدخلها عليه الصلاة والسلام وأمته»، هذا ثابت. وقوله: «أنا أكرم الأولين والآخرين» أيضا كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر». والحديث الصحيح، فهذه الألفاظ يشهد لها ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الأخرى. وأما قوله: «أنا حبيب الله ولا فخر»، فليس له شاهد في السنة، بل الذي ثبت في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام خليل الله كإبراهيم، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». والخلة مرتبة أرفع وأعلى من المحبة، الخلة مرتبة أعلى من المحبة، فالمحبة مراتب والخلة أعلى منها. نعم، فوصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه خليل الله هذا أعظم فضلا وشرفا ومنزلة من أن يقال: إنه حبيب الله. ولهذا من الخطأ أن يقول القائل: «إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله»، لا نقول: محمد عليه الصلاة والسلام خليل الله كإبراهيم؛ لأن الخلة مرتبة أعلى، وهو الذي ثبت في السنة في إخباره عليه الصلاة والسلام عن نفسه بأنه خليل الله. وأما ما ورد في هذا الحديث بأنه حبيب الله فلا يصح. قال أخبرنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا مصور بن أبي الأسود عن ليث -وهو ابن أبي سليم وفيه ضعف- عن الربيع بن أنس عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولهم خروجا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعكم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور». والحديث ضعيف؛ فليث بن أبي سليم ضعيف. وقول: «أنا أولهم خروجا» هذا صحيح، يشهد له قول عليه الصلاة والسلام: «أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة». وهكذا أيضا أنه قائدهم كما في حديث: «حمل اللواء الحمد يوم القيامة». وقول: «أنا مستشفعكم إذا حبسوا» أيضا يشهد له حديث الشفاعة حين يحبس الناس في أرض المحشر، فيأتون للأنبياء يطلبون منهم الشفاعة، فيقول كل منهم: «نفسي نفسي»، حتى يأتون النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: «أنا لها»، فيشفع لأهل الموقف، فهذا معناه صحيح. قال أخبرنا عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن صالح -هو ابن عطاء بن خباب، قال: مولى بن الدئل- عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر». وصالح بن عطاء مجهول الحال، فالسند ضعيف، لكنه في الشواهد يشهد له ما ثبت في الصحيح، وما سيأتي أيضا في بعض الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «أنا أول شافع وأول مشفع»، وهذا من فضائله عليه الصلاة والسلام. أنه يعني يتقدم المرسلين ويحمل لواء الحمد يوم القيامة، والمرسلون خلفه. وهكذا أيضا أنه خاتم النبيين، فبه ختمت النبوة والرسالة، فلا نبي بعده ولا رسول بعده عليه الصلاة والسلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، وأول شافع وأول مشفع ولا فخر»، أول شافع يشفع لأهل الموقف، هو النبي عليه الصلاة والسلام، ويشفع بدخول أهل الجنة الجنة، وأول من تقبل شفاعته عليه الصلاة والسلام، وهذا من فضائله وخصائصه عليه الصلاة والسلام. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على