المحاضرة بعنوان عناية الشريعة بالضروريات الخمس، بمسجد الكتيني بتبالة ٢٨ ربيع الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها
الدين هو أعظم الضروريات التي عنيت بها الشريعة، وقد خلق الله الخلق لطاعته. الشريعة عنيت بحفظ الدين ورعايته وبقائه ونشره وظهوره.
العقل هو مناط التكليف في الإسلام وبه يميز الإنسان بين النافع والضار. رفع القلم عن المجنون والصبي والنائم لعدم وجود العقل أو عدم القدرة على التمييز.
العقل في الإسلام يتبع الشريعة ولا يسبقها، والشريعة تحث على تنمية العقل وحمايته من الفساد. الإسلام يحث على اتباع الشريعة وعدم التعامل بالسحر والكهانة.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذه القرية وفي هذا المسجد الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله مسجدًا مباركًا وأن يجعله مسجد خير وعلم ونفع للمسلمين. عباد الله، عنوان هذه المحاضرة هي عناية الشريعة بالضروريات الخمس، فقد اعتنت هذه الشريعة الإسلامية بهذه الضروريات، بل وغيرها من الشرائع، بل إن الإمام الشاطبي رحمه الله يقول: اتفقت الأمة بل سائر الأمم على أن الشريعة وضعت لأجل حماية الضروريات الخمس التي هي الدين والنفس والعقل والنسل والمال. هذه الضروريات الخمس التي عنيت بها الشريعة واهتمت بها اهتمامًا عظيمًا في الحفاظ عليها وفي تحقيق مصالحها، والضروريات الخمس كما يقول الشاطبي رحمه الله في تعريفها هي الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا. إذا انتفت مصالح الدنيا لم تقم على استقامة بل كانت على فساد وتهارج وفوات الحياء، وفي الآخرة فوات نعيم ونجاة ورجوع بالخسران المبين، إذا تعطلت هذه المصالح وهذه الضروريات لم يستقم للإنسان صلاح ولا حياة ولا نجاة في الدنيا ولا في الآخرة. أعظمها وأهمها وأعلاها هي الدين، الدين الذي لأجله خلق الله سبحانه وتعالى الخلق وأرسل جل وعلا الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار، هذا الدين دين الإسلام هو دين الفطرة الذي فطر الله جل وعلا عليه الخلق. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». الله عز وجل خلق الخلق في هذه الدنيا لطاعته وعبادته، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وأرسل الرسل لهذه الغاية العظيمة، ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. هذا الدين العظيم عني به الإسلام عناية عظيمة في حفظه وفي رعايته وفي بقائه واستمراره وفي نشره وظهوره، وأول ذلك أول الأمور التي بها يحصل العناية بهذا الدين هو رسوخ الإيمان في القلوب ومعرفة العباد حقيقة هذا الدين الذي خلقهم الله سبحانه وتعالى لأجله. وذلك بتحقيق الإيمان والإسلام والإحسان، وهذه الثلاثة هي مراتب الدين التي بينها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل، حديث عمر في صحيح الإمام مسلم، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة لما سأله جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان. قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، فبين له أركان الإسلام التي لا يتحقق إسلام المرء إلا بها. ثم سأله عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، ثم سأله عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هذه مراتب الدين لا بد أن ترسخ في القلوب وأن يتعلمها كل مسلم ويتفقه فيها حتى يعبد الله عز وجل على علم وبصيرة، وربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم مبينًا لهذه الأركان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، وقال جل وعلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. فهذه المراتب العظيمة كما سمعنا بينها ربنا جل وعلا في كتابه في مواضع عديدة، لا بد من أن تغرس في القلوب، يعرف المسلم ما هو الإسلام ويعرف المؤمن ما هو الإيمان. إذا غرست هذه العقائد في القلوب كان لها أثرًا عظيمًا على أصحابها في ثباتهم وفي قوة إيمانهم وفي صلاحهم واستقامتهم، ثم كذلك أيضًا العمل بما دلت عليه هذه الأركان بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت. ولذلك أمرت الشريعة بإقامة الصلاة في بيوت الله على صفة الجماعة، وأن يؤذن لها وأن يجتمع لها المسلمون لأجل ظهور هذه العبادة وظهور هذه الطاعة وظهور الدين، وهكذا أيضًا الاجتماع لصلاة الجمعة والعيدين. هذا كله من أجل أن يظهر الدين ويكون ظاهرًا، وهكذا أيضًا من الحفاظ على هذا الدين العظيم شرع الله عز وجل الجهاد، جهاد الأعداء والكفار حتى يكون الدين كله لله، قال جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، شرع الجهاد حتى لا تكون فتنة، والموت بالفتنة الشرك، فإن أعظم فتنة وأعظم ذنب وأعظم كبيرة من كبائر الذنوب يشرك بالله جل وعلا. وصرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الشرك محبط للعبادة ومفسد لها، كما أن الحدث إذا أحدث الإنسان بعد وضوءه فسد وضوءه، كذلك وقوع الشرك في عمل الإنسان مفسد لعمله ومبطئ لعبادته. قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالشرك بالله جل وعلا مبطل للعمل ومبطل للعبادة، وهو أيضًا من أعظم الظلم الذي يظلم الإنسان به نفسه، ويقع فيما بينه وبين ربه أن يصرف العبادة لغيره، وهو الذي خلقه وأوجده ورزقه وأمره بطاعته وعبادته. ثم يصرف العبادة لغيره، ولذلك قال الله عز وجل عن الشرك: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أي ذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». الله عز وجل شرع الجهاد وإقامته لأجل أن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد عباد لله جل وعلا لا يعبدون إلا الله ولا يصرفون العبادة إلا لله جل وعلا، والإنسان ربما يهرب من رق العبودية أن يكون عبدًا لله ذليلًا. ثم يقع في رق النفس والهوى والشيطان، يتبع هواه ويرتكب ما يخالف دين الله سبحانه وتعالى، وربما عبد غير الله وصرف العبادة لغير الله من صنم أو شمس أو قمر أو حجر أو قبر أو نبي أو ولي وغير ذلك من المخلوقات. كما قال ابن القيم رحمه الله: «هربوا من الرق الذي خلقوا له فأبلوا برق النفس والشيطان»، أنت لا بد أن تكون عبدًا لله، وأنت عبد له شئت أم أبيت، سواء قمت بالعبودية الخاصة بتحقيق عبادة الله جل وعلا أو استكبرت عن عبادة الله. فأنت داخل في عبودية الله العامة التي قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. هذه العبودية العامة يدخل فيها المسلم والكافر، وأما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمسلم، وهي التي مدح الله عز وجل بها نبيه عليه الصلاة والسلام في مقامات عظيمة، كما في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وفي مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهكذا أيضًا شرع الجهاد لرد عداوة الأعداء ورد كيدهم وشرهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث معاذ في السنن: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، ذروة سنامه أي أعلى الإسلام الجهاد، كما أن أعلى ما في الناقة والبعير سنامه يكون على ظهره مرتفع. كذلك يرتفع الإسلام بإقامة شريعة الجهاد، يكون عاليًا مرتفعًا ظاهرًا، وهكذا أيضًا من الأمور التي يحفظ بها هذا الدين إقامة حد الردة الذي شرعه الإسلام صيانة لدين المسلمين من التلاعب في هذا الدين. أن يرتد المسلم عن دينه فيحصل في ذلك زعزعة واضطراب في مجتمعات المسلمين، وهذه ربما سياسة يتخذها بعض الأعداء والمشركين لإيجاد ذلك وزعزعة المسلمين عن دينهم، وهي سياسة قديمة أخبر الله سبحانه وتعالى بها. كما قال جل وعلا: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فشرع الإسلام حد الردة أن يقتل من ارتد عن دينه، قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه»، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. فشرع هذا الحد حماية للدين، يعلم من دخل في الإسلام أنه إن رجع سيقتل ويسفك دمه، فيسد باب التلاعب في هذا الأمر العظيم، وهكذا أخبر ربنا جل وعلا بحبوط عمل من وقع في الردة ومات على ذلك. ومن يرتد منكم عن دينه فيوم يمته هو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وهكذا أيضًا من هذه ضروريات الخمس العقل الذي من الله جل وعلا به على الإنسان وكرمه الله جل وعلا به. وفرق بينه وبين سائر المخلوقات أن جعل له عقلًا يدرك فيه الأمور ويفهم فيه الخطاب ويميز به بين الأشياء النافعة والضارة، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. من الله عز وجل به عليه ليكون أهلًا للاستخلاف في الأرض وتحمل الأمانة العظيمة التي عرضت على أعظم المخلوقات فأبت عن حملها، قال جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذا العقل الذي هو مناط التكليف وسببه، فمتى كان الإنسان عاقلًا كان مكلفًا، فيتوجه إليه خطاب الله جل وعلا بفعل الأوامر وترك النواهي، ويكتب عليه القلم، فإذا لم يكن عاقلًا رفع عنه قلم التكليف. جاء عند الإمام أحمد وأبي داود من حديث عائشة وعلي رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ»، رفع القلم عن ثلاثة هؤلاء الثلاثة رفع عنهم القلم بسبب عدم العقل. فلم يكونوا مكلفين، المجنون حتى يفيق الذي زال عقله وأصبح مجنونًا لا يبقى الأوامر ولا النواهي ولا الواجبات ولا الفرائض، فلا يكلف، لا يكتب عليه القلم لأنه لا عقل له، لو قيل له صلي لا يعرف ما هي الصلاة. ولو قام يركع ويسجد كما يرى من يفعل ذلك من المسلمين ما صحت صلاته لعدم العقل، وهكذا النائم حتى يستيقظ، النائم في حال نومه يشبه المجنون لا عقل، ما يدرك ما الذي يفعله في حال النوم. ربما ينام فيترك الصلاة هو نائم ما يدري حتى يخرج وقتها، هل هو آثم بذلك؟ الجواب لا، هو معذور بسبب النوم إذا كان ذلك من غير تفريط، أما إن كان مفرطًا كما يفعل بعض المسلمين ربما يسهر في آخر الليل في القيل والقال أو تحت شاشات التلفاز. ثم ينام متأخرًا ويقوم بعد طلوع الشمس ويقول: «النوم عذر ورفع القلم عن النائم حتى يستيقظ»، أنا نائم، يقول: أنت مفرط، ليس لك عذر، لكن إذا نام الإنسان مبكرًا وأخذ أسباب الاستيقاظ لكن ما استيقظ إلا بعد طلوع الشمس، هذا معذور رفع عنه القلم. لكن متى ما استيقظ وجب عليه أن يؤدي هذه العبادة، لقول عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك»، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. لكن في حال نومه غير مؤاخذ، لو تكلم بكلام وكان هذا الكلام كلامًا عظيمًا أو كلامًا كفريًا لكن هو نائم ما يدري ماذا يقول، معذور، وهكذا أيضًا الصبي حتى يحتلم أي حتى يبلغ. فالصبي قبل بلوغه غير مكلف بالواجبات والفرائض، لكن مع ذلك يأمره وليه كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤمر الصبي إذا بلغ سبع سنين يأمره بالصلاة، ويضربه عليها في العشر، يأمره في السن السابع لأنه سن التمييز في الغالب. أصبح يميز فيأمره حتى يعرف أنه مأمور بهذه العبادة ومأمور بهذه الطاعة، ولا يضربه عليها حتى يبلغ سن العاشر، فهنا يضربه على الصلاة إذا لم يصل، لأنه قارب سن البلوغ، فإذا فعل ذلك لم يبلغ إلا وقد تعود على الصلاة. وصارت الصلاة أمرًا معتادًا لديه، فيسهل عليه ذلك أن يقيمها أن يفعلها، وهذه من الأمور التي أيضًا يحفظ بها الدين أن يؤمر الأبناء بذلك حتى يتعوذوا على هذه الطاعة والعبادة، فلا يبلغ إلا وسهل عليهم فعل هذه العبادة. ومع ذلك وغير مكلف حتى يبلغ، فإذا بلغ كتب عليه القلم، ومع كونه غير مكلف هو والمجنون والنائم، هذا فيما يتعلق بالأحكام التكليفية، أما ما يتعلق بالأحكام الوضعية فإذا أتلفوا شيئًا في حال زوال العقل. فإن عليهم الضمان، أو أن المجنون أتلف مال إنسان، جاء إلى سيارة وكسر زجاج لجنون ما عنده عقل، قل: ما عليه إثم لا عقل له، لكن الضمان يضمن ما أتلف، سواء من ماله أو من يقوم عليه، وهكذا الصبي إذا فعل شيء من ذلك عليه الضمان. وهكذا النائم إذا أتلف شيئًا وهو نائم فعليه الضمان، أما من حيث الإثم فلا إثم عليهم لعدم العقل، إذا لا يكلف الإنسان إلا إذا كان عاقلًا، فالعقل مناط التكليف، هذا العقل حث الإسلام على إعماله فيما يستطيع وفيما هو في قدرته. كالتفكر في آيات الله الكونية وفي آيات الله الشرعية، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. هذه الآيات تدعو إلى تفكر الإنسان في مخلوقات الله العظيمة الكونية، الكونية السماء والأرض التي أعظم المخلوقات بعد العرش، وهكذا أيضًا في آيات الله الأخرى الليل والنهار والشمس والقمر، ومن آيات الله الليل والنهار والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن، كنتم من قبل ضلالًا تعبدون، هذه الآيات الكونية أمر الله جل وعلا بالتفكر فيها، ينظر الإنسان إلى عظم هذه المخلوقات ويعلم أنها لا بد لها من موجد ومن خالق. وأنه لا خالق لها إلا الله سبحانه وتعالى، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد الأحد الذي سهل، كيف عرفت ربك؟ قال: «البعر يدل على البعير والأثر يدل على المسير، سماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج وأرض ذات فجاج أفلا تدل على اللطيف الخبير». يدل على وجود الله وعلى خلق الله وعلى تفرد الله بالخلق والتدبير بآيات الله جل وعلا الكونية، وهكذا أيضًا إعمال العقل في التفكر في آيات الله الشرعية وما أنزل الله عز وجل على رسوله عليه الصلاة والسلام. من المعجزة العظيمة التي تحدى الله عز وجل بها الفصحاء والبلغاء وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قال جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. أفلا يتدبرون القرآن قراءة تدبر وقراءة تفكر واعتبار واتعاض وانتفاع، أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، لو كان هذا القرآن ليس من عند الله وليس منزل من عند الله. وليس كلام الله لوجد فيه الناس اختلافًا كثيرًا، لوجدوا فيه تناقضًا وتعارضًا وتضاد ينقض بعضه بعضًا ويرد بعضه على بعض، مع كثرة آياته وتشابه الآيات والقصص والأحكام والأوامر والنواهي ومع ذلك سلم من هذا الأمر لا تناقض فيه ولا تضاد. وهكذا أيضًا مع كثرة تنوع القرآن واختلاف قراءاته ومع ذلك لا تناقض فيها، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، لو كان هذا من وضع البشر لوجد فيه التناقض لأن هذا من طبيعة البشر لا يسلمون من ذلك. فالقرآن آية من آيات الله جل وعلا الشرعية العظيمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بالتفكر فيها، وقد مدح الله جل وعلا أهل الإيمان والتقوى المعملين لعقولهم والمتفكرين بآيات الله جل وعلا في آيات كثيرة. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أصحاب العقول السليمة هؤلاء يعتبرون ويتعظون ويتفكرون، وقال جل وعلا: ﴿وَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. هذا ثناء من الله جل وعلا عليهم بما لهم من عقول سليمة وعقول مدركة لما أنزل الله سبحانه وتعالى، وهكذا أيضًا رغب الإسلام بل حرر العقل من الوقوع في الخرافات، وهكذا أيضًا اتباع البنون وتقليد الآباء وما كان عليه الأقدمون. وأمره باتباع ما جاء في شرع الله سبحانه وتعالى، وأن يكون منقادًا لأمر الله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. هكذا حال المقلدين والمقلدين لعقولهم يسيرون على ما سار عليه من قبلهم في الضلال والبدع والأهواء والانحراف والزيغ والشرك، يؤمرون باتباع ما أنزل الله ويأبون إلا اتباع ما عليه الآباء والأجداد. وهكذا كذلك أيضًا حرمت الشريعة التعامل بالسحر والكهانة والشعوذة وغيرها من هذه الأمور التي تفسد الأبدان والعقول، وحكم على من فعل ذلك بالكفر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد»، رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، إذا لا بد أن يكون العقل متبعًا للشريعة ومنقادًا لها. ولذلك فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ما جاء في الشريعة من أوامر ونواهي وأحكام، فإن العقل يؤكد صحتها ويتبع ما أثبتته الشريعة من مصالح فيما أمرت به من أوامر، وهكذا أيضًا يؤكد ما في النواهي من مفاسد نهت عنها الشريعة. ولا يمكن أن يتناقض العقل الصريح مع النقل الصحيح إلا من كان عقله فاسدًا، بعض الناس يرد الأحكام ويرد الأوامر بعقله، يقول: عقلي ما يقبل هذا، ما يقبل العقل هذا الحكم، ما يقبل أن المرأة مثلًا تتحجب أو أن لا تخرج بالرجال. هذا ظلم للمرأة ليس هذا بحرية وليس هذا بعدالة، يرد أحكام الله بعقله وهواه، هذا عقل فاسد، عقل نتن، لو أنه أنصف لما خالف ما جاء في الشريعة أبدًا، فالعقل كما قلنا تبع للنقل، ولهذا قال من قال من أهل العلم: «العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد». العامي المقلد يقلد العالم، يفعل كذا هذا واجب هذا محرم، يتبع، وهكذا العقل مع النقل، العقل يتبع ما جاء في النقل، ما جاء في الكتاب والسنة، أمر أمر واجب واجب، محرم محرم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ليس للعبد اختيار في أوامر الله وفي أحكام الله، يقول: عقلي يقبل هذا وعقلي ما يقبل هذا، لا تقبله وإن رغمت أنفك، وإن لم يقبله عقلك. الأصل اتباع ما أنزل الله جل وعلا على رسوله، قبل هذا العقل أو لم يقبله عقلك، فليس عقلك مقدم على شرع الله وعلى دين الله جل وعلا، وهكذا أيضًا فإن الشريعة حثت على تنمية العقل ماديًا ومعنويًا. أما ماديًا فبما يقوم عليه البدن من الطعام والشراب وينشط به الذهن، وأما معنويًا فبالعلم، فبالعلم يقوى العقل، وكذلك أيضًا يكون فيه تنمية له وقوة ونشاط ومعرفة للصواب من الخطأ وتصحيح للعبادة والطاعة. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فالعلماء أعرفوا الناس بالله جل وعلا، وأكملوا الناس عقولًا، بما عندهم العلم، كذلك أيضًا من عناية الشريعة بالعقل أنها حرمت كل ما يفسده ويكون سببًا في زوال العقل وفي ذهابه. فحرمت شرب الخمر وألحقت به غيرها من المسكرات، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»، وألحق العلماء ما كان فيه معنى الإسكار أو أشد كالمخدرات وغيرها، لأنها تفسد العقول وتذهبها، ويصبح صاحبها عبئًا في المجتمع ورجل سوء وشر وأذية للناس. فلأجل الحفاظ على العقول حرمت الشريعة ذلك، وهكذا أيضًا ينبغي للمسلم أن لا يغلب عليه أن لا تغلب عليه شهوته على عقله، بل ينبغي أن يكون عقله مقدما على شهوته، ينظر في المصالح والمفاسد. ينظر ما هو أصلح له فيفعله وما هو شر له فيبتعد عنه، أما أن يكون تبعًا لشهوته كحال البهيمة، يفعل ما أرادت نفسه وهواه، يجعل هواه