من فضائل الصحابة

المحاضرة بعنوان من فضائل الصحابة، والتي كانت بمسجد الصحابة بدفيقة بالشحر 27 جمادى الأولى 1443هـ الموافق 31 ديسمبر 2021م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

منزلة الصحابة وفضلهم عند الله

الصحابة لهم منزلة عالية عند الله، وقد أثنى عليهم في القرآن الكريم، وهم مهاجرون وأنصار، وأعد الله لهم جنات تجري تحتها الأنهار. ثناء الله عليهم يدل على فضلهم ومكانتهم الرفيعة.

إيثار الأنصار والمهاجرين وتفاوت درجاتهم

الأنصار أبدوا إيثارًا وإكرامًا للمهاجرين، وضربوا أمثلة على ذلك، مثل قصة سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف. كما يتفاوت الصحابة في الدرجات بحسب سبقهم في الإسلام وبذلهم المال والنفس في سبيل الله.

ثناء الله ورسوله على الصحابة ومكانتهم

القرآن الكريم والأحاديث النبوية دلت على فضل الصحابة ومكانتهم الرفيعة، وأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أن حبهم من الإيمان وبغضهم من النفاق. هذا الثناء يدل على محبة النبي لهم واحترامهم.

فضل الأنصار ودعاء النبي لهم

النبي صلى الله عليه وسلم دعا للأنصار بالمغفرة ولأبنائهم ومواليهم، وأكد على فضلهم ومكانتهم عند الله. هذا الدعاء يبرز أهمية معرفة المسلمين لفضل الصحابة وتراثهم.

التفريغ النصي الكامل

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي وفقنا وإياكم لهذا اللقاء المبارك، وهذا المجلس الطيب في بيت من بيوت الله، وفي مسجد من مساجد الله، نتذاكر شيئًا من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ننتفع به بإذن الله جل وعلا في ديننا ودنيانا، وفي آخرتنا، وذلك من فضل الله سبحانه وتعالى علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، وبادئ ذي بدء، نشكره أخانا سعيدًا حفظه الله على هذه الكلمة التي ألقاها، وذكر بها بنعمة الأمن والعافية، وكذلك الرزق، وأن من أصبح آمنًا في سربه، معافى بجسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه من نعمة الله جل وعلا على العباد، ولكن الكثير من الناس لا يعرفون فضل الله عليهم، ولا يشكرون نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم. وإن أراد العبد أن يعد نعم الله لعجز عن ذلك، وإن تعد نعمة الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار. نعم الله لا يستطيع أن يحصرها الإنسان، بل نعمة واحدة من النعم التي أنعم الله جل وعلا بها على الإنسان، لو فقدها، وأراد أن يتحصل عليها، لربما بذل كل ما يملك من أجل أن يتحصل على هذه النعمة. ذكر عن هارون الرشيد رحمه الله أنه قال لأحد الزهاد والصالحين: عظني. فقال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت شربة الماء، فبماذا تفتدي؟ قال: أدفع نصف ملكي. قال: فإذا حبس عنك البول، فبماذا تفتدي؟ قال: بنصف ملكي. قال: فذهب ملكك في شربة ماء، وفي حبس البول، فكيف يبقى النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان؟ فنعم الله جل وعلا عظيم، ينبغي للعبد أن يكون شاكرًا لله جل وعلا بما أنعم الله سبحانه وتعالى عليه من النعم، أن يكون شاكرًا، سواء كان ذلك عند السراء أو عند الضراء، وأن يكون صابرًا عند الشدة والضراء. هذا وحال المؤمن الكامل في إيمانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له» رواه مسلم عن صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه. فالمؤمن في كل أحواله على خير، عند الصبر والشدة، وعند البلاء والشدة، فهو صابر، وعند السراء والنعمة، فهو شاكر، فسائر أحواله على خير عظيم. انظر عباد الله، ذكرنا إخواننا بخطبة الجمعة كيف كان الناس قبل أيام في شدة في حياتهم، وأمور معاشهم، غلاء الأسعار، وكذلك غلاء السلع، وأيام عصيبة مرت على الناس، وإذا بالفرج يأتي من الله سبحانه وتعالى، فترخص الأسعار، وتقل قيم السلع. هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل يبتلي العباد، يبتلي العباد ليختبرهم، ويمتحنهم، يرى مدى صبرهم عند الضراء، ويرى مدى شكرهم عند السراء. فينبغي أن يكون المؤمن صابرًا عند الضراء، وشاكرًا عند السراء. نشكر إخواننا في هذا المسجد المبارك، مسجد الصحابة، على إتاحتهم هذه الفرصة لإلقاء هذه المحاضرة، وهذا المجلس الطيب المبارك، الذي نسأل الله عز وجل أن يجعله مجلسًا خير وبركة، ومجلسًا تحفه الملائكة، ويذكر الله جل وعلا فيه من عنده، وتنزل فيه السكينة. أحببنا في هذا اللقاء المبارك، ونحن في مسجد الصحابة، أن نتذاكر شيئًا من فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وما لهم من فضل، وعظيم منزلة، وما يجب على المسلم تجاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. عباد الله، الصحابة جمع الصحابي، والصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على ذلك، سواء رآه أو لم يره، التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك لحظة، ولو كان ذلك لحظة من الزمن، ومات على ذلك، أي مات على الإيمان، فهو صحابي، وينال هذا الشرف العظيم، شرف الصحبة. الله جل وعلا أثنى على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثناء عظيمًا، قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فالله عز وجل أثنى على السابقين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، من المهاجرين والأنصار. المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، الذين كانوا في مكة، وأسلموا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فآذاهم المشركون، وفتنوهم في دينهم، فعذبوهم، ونكلوا بهم أشد أنواع النكال، فصبر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، منهم من قتل، ومنهم من صبر وتحمل، حتى جاء الفرج من الله جل وعلا، والإذن لهم بالهجرة. كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم الهجرة الثانية إلى الحبشة، ثم كانت الهجرة بعد ذلك إلى المدينة. هؤلاء يقال لهم المهاجرون. والأنصار هم أهل المدينة الذين ناصروا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فآووهم ونصروهم، وكذلك آووا النبي عليه الصلاة والسلام، وناصروه، وحموه مما يحمون به أنفسهم وأموالهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فالله عز وجل يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. الله عز وجل يخبر بأنه رضي عن المهاجرين والأنصار، وهذا ثناء عظيم، يتضمن عدالتهم، ويتضمن صحة إيمانهم، ويتضمن كذلك سلامة سرائرهم، وأنهم من أهل الإيمان. ويخبر بأنه أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، ذلك هو الفوز العظيم. وهكذا أيضًا قال الله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ۞ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ذكر الله عز وجل في هذه الآيات في سورة الحشر أن الناس على ثلاثة أقسام. القسم الأول من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، هم المهاجرون. والقسم الثاني هم الأنصار. والقسم الثالث من جاء بعدهم. فأخبر الله عز وجل في الثاني على المهاجرين، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، أولئك هم الصادقون حقًا في إيمانهم، والصادقون في إسلامهم، والصادقون في باطنهم، والصادقون في ظاهرهم. هكذا أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، ووصفهم بهذا الوصف العظيم، أنهم من الصادقين. ثم ذكر جل وعلا الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. أي أنهم يؤثرون غيرهم، ويقدمون غيرهم، ولو كانت لهم الحاجة، ولو كانت لهم الحاجة. وهذا غاية الجود، وغاية الكرم، وغاية العطاء والبذل، أن الإنسان يقدم الشيء مع حاجته له ورغبته فيه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: «غلب درهم مئة ألف». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما بذله الإنسان من قليل ما حاجته له هو أعظم أجرًا وثوابًا مما بذله الإنسان من المال الكثير الذي هو في غناء عنه». ومن ذلك ما ثبت في السنة، لما يدل على حب الأنصار للمهاجرين، وكذلك عظيم إيثارهم لهم على أنفسهم. ما جاء في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بين المهاجرين والأنصار، لما هاجر المهاجرون إلى المدينة. آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أخوة إيمانية عظيمة، حتى كانوا يتوارثون بها، يتوارثون بهذه الأخوة، حتى نسخ الله عز وجل ذلك فيما بعد. فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف. فقال سعد بن الربيع: قد علمت الأنصار أني من أكثرهم مالًا، فسأقسم مالي نصفين، نصف لي ونصف لك، ولي زوجتان، فاختر أعجبهما إليك، أطلقها، فإذا انقضت عدتها، فانكحها. قال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك وأهلك، دلني على السوق. فذهب رضي الله تعالى عنه، فلم يرجع من السوق إلا ومعه شيء من سمن وأقط. ومرت الأيام، وإذا بعبد الرحمن بن عوف يتزوج، يراه النبي عليه الصلاة والسلام، وعليه صفرة خلوق، أثر طيب، فيقول له عليه الصلاة والسلام: «مهيًا». فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. قال: «وما أصدقتها؟» أي ما أعطيتها من مهر. قال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة». وهكذا أيضًا ما جاء في الصحيح، أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يسأله شيء من الطعام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرسل إلى أهلي». فكلهن قلن: لا يوجد عندنا شيء. ما عندهن شيء يطعمن ضيف النبي عليه الصلاة والسلام. انظروا إلى الشدة العظيمة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليها أصحابه رضوان الله تعالى عليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يضيف ضيف رسول الله؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. أخذ هذا الضيف، وذهب به إلى امرأته، وقال: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: والله ما عندنا إلا قوت الصبيان. ما عندنا طعام إلا عشاء الأولاد، ما في زائد. فقال: قرب الطعام. فإذا قربنا الطعام، قومي إلى السراج، كأنك تصنخين، فأطفيه، وأظهري أننا نأكل معك، ولا نأكل شيئًا، حتى يشبع الضيف. ففعلت ذلك، قامت إلى السراج، وأطفأته، وجلس مع الضيف، يوهمانه أنهما يأكلان، هما لا يأكلان شيئًا، فأكل الضيف، وباتا طاويَين، هما وأولادهما. فلما أصبح، وأتى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة». الله سبحانه وتعالى أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام بما فعل هذا الأنصاري. وجاء في بعض الروايات أنه أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: «لقد عجب الله، وفي رواية: لقد نعم عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة». انظروا إلى عظيم هذا الفعل، وهذا الإيثار، آثر هذا الضيف على نفسه، وعلى أولاده، وأكرمه، وضيّفه، وبات طاويًا من غير طعام. ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، أي ولو كان لهم حاجة. وهذا كما قال أهل العلم: قضى أعظم أجرًا مما ذكر الله سبحانه وتعالى من ثنائه على المتصدقين بأموالهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. هذا أفضل أن الإنسان يؤثر غيره على نفسه. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي من يوق شح هذه النفس، وبخلها، فهو مفلح. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حتى حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم». ثم ذكر الله عز وجل الطائفة الثالثة، وهم من جاء بعد المهاجرين والأنصار، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذا هو واجب كل مؤمن، وكل من لم يكن من الصحابة، ممن جاء بعدهم، فالواجب عليه أن يستغفر الله لهم، أن يستغفر الله عز وجل لهم، أن يغفر لهم، أن يرضى عنهم، أن يعفو عنهم، ويكون قلبه سالما من الضغائن والأحقاد والبغضاء والعداوة تجاه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهؤلاء الثلاثة كما قال أهل العلم: هم من يستحقون مال الفيء، المهاجرون والأنصار، ومن تبعهم بإحسان، كما ذكر في الآية السابقة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله، ويرى من أهل العلم: أن الشيعة الرافضة لا يستحقون شيئًا من الفيء، لأنهم لم تسلم قلوبهم، ولا ألسنتهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا أيضًا قال الله عز وجل في مدح أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكِلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. لا يستوي الخطاب للصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأن الصحابة درجات ومنازل، لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. المراد بالفتح هنا في قول جمهور أهل العلم: هو فتح مكة. وهو فتح مكة. وقال بعض أهل العلم: المراد به صلح الحديبية. لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أي من تقدم إسلامه من أسلم قبل فتح مكة، ورجح العلامة السعدي رحمه الله أنه صلح الحديبية. فالمقصود بهذه الآية: بيان أن صحابة رضوان الله عليهم على منازل، وكذلك درجات في الفضل، فمن أسلم منهم وآمن قبل الفتح، وأنفق أي من ماله، وقاتل أي مع النبي عليه الصلاة والسلام، وشهد الغزوات والمعارك مع النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أعظم درجة، وأعظم منزلة، وأعظم فضلًا ممن آمن وأنفق وقاتل بعد الفتح. لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين آمنوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، أي الجنة، أي الجميع، أن الصحابة وكل الطائفتين من آمن قبل الفتح، وآمن بعد الفتح، الجميع موعود بالجنة. وكلا وعد الله الحسنى، الجنة. إذن الصحابة رضوان الله عليهم من أهل الجنة، من أهل الجنة. نحن نشهد لهم على جهة العموم أنهم من أهل الجنة، ونخص منهم بالتعيين من عينه النبي عليه الصلاة والسلام أنهم من أهل الجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة، وهكذا أيضًا من ذكره النبي عليه الصلاة والسلام بأعيانهم، وأهل بيعة الرضوان، وغيرهم. فدلت الآية على أن الصحابة رضوان الله عليهم موعودون بالجنة، وكلا وعد الله الحسنى. مثل هذه الآية، قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكِلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وكذلك قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. رضي الله عز وجل عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، أي بيعة الرضوان. بيعة الرضوان التي بايع فيها النبي صلى الله عليه وسلم على الموت، وذلك كان في الحديبية، لما منع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين أن يعتمروا. فبعث النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن عفان ليُفاوضهم في أمر العمرة، فجاء الخبر بأنهم حبسوا عثمان، فبايع النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة على الأخذ بدم عثمان. وكانت هذه البيعة تحت الشجرة، وسميت ببيعة الرضوان. فالله عز وجل أثنى على أهل بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. فعلم ما في قلوبهم، أي من صدق إيمانهم، وصدق سرائرهم، وحسن نياتهم. هذا ثناء عظيم من الله عز وجل، وتعديل لهم، وأنهم مؤمنون حقًا، رضي الله تعالى عنهم. فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحًا قريبًا، أي فتح مكة، لأنه لما عُقد الصلح الحديبية، ووافق النبي صلى الله عليه وسلم على بنود ذلك الصلح، وإن كانت في بعض بنوده شيئًا من الشدة والقسوة على المسلمين، لكن كانت المصلحة أن يوافق عليه الصلاة والسلام على هذا الصلح. فاختلط المسلمون بالمشركين، وتعرف كثير من المشركين على الإسلام، ودخل كثير منهم في الإسلام، فكان هذا الصلح سببا لفتح مكة، كان سببا لفتح مكة، إذ أن كثيرًا من المشركين دخلوا في الإسلام، وكثر المسلمون، وكان بعد ذلك عزم النبي صلى الله عليه وسلم على فتح مكة، لما غدرت قريش بعهد النبي عليه الصلاة والسلام، ففتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة. فكان هذا الصلح فتحًا، وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم في بيعة الرضوان ألفًا وأربعمائة، كما قال جابر رضي الله عنه: «كنا ألفًا وأربعمائة» كما في الصحيحين. أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم هذا الثناء العظيم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وهكذا أيضًا مما ثبت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام من الثناء على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار، جاء في الصحيحين من حديث البراء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». انظروا النبي عليه الصلاة والسلام يذكر أنه لا يحب الأنصار من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلا مؤمن، إلا مؤمن، من كان مؤمنًا حقًا، من كان مؤمنًا حقًا، سلم صدره، سلم قلبه من الضغائن والأحقاد على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وأنه من لم يكن كذلك، بل أبغضهم، ولم يحبهم، فهو منافق، ولا يبغضهم إلا منافق، لا يبغض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلا من كان منافقًا، وإن أظهر الإسلام، فهو في الحقيقة من أهل النفاق، من أهل النفاق. من أحبهم أحبه الله، وهذه فضيلة عظيمة لمن أحب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أنه ينال بذلك محبة الله. ومن أبغضهم أبغضه الله، من أبغض الأنصار رضي الله تعالى عنهم أبغضه الله. وجاء في حديث أنس في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأنصار كرشي وعيبتي، والناس سيكثرون ويقلون، فتقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم». ومعنى كرشي: الكرش هو مجمع الطعام في الحيوان. والعيبة هو محل سر الإنسان. والمعنى أن الأنصار هم أهل جماعة، وهم محل سري وأماني، فهم من أوفق الناس به، ومن أقرب الناس إليه. وهذا لا شك أنه مدح عظيم، وثناء عظيم للأنصار رضي الله تعالى عنهم. وهكذا أيضًا جاء في الصحيحين عن أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى نساء وصبيانًا مقبلين من عرس، فقال: «إنكم من أحب الناس إليَّ، إنكم من أحب الناس إليَّ» أي الأنصار رضوان الله تعالى عليهم. وهكذا أيضًا ما جاء في الصحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما وقعت غزوة حنين، لما وقعت غزوة حنين بعد فتح مكة، وغنم المسلمون غنائم كثيرة من الإبل والغنم، قسم النبي عليه الصلاة والسلام الكثير من هذه الغنائم على المؤلفة قلوبهم، وهكذا أيضًا أعطى المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئًا. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يعني علم من قوة إيمانهم، ورسوخ الإيمان في قلوبهم، فوقع في قلوب الأنصار شيء: لماذا لم يعطنا، وأعطى المهاجرين الذين جاءوا من مكة؟ فلعل النبي عليه الصلاة والسلام يعني مال إليهم، وتكلموا بكلام، أوحى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما تكلموا. فجمع النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار في موضع، وقال: «يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟ إن شئتم أن تقولوا -يعني تخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب- إن شئتم أن تقولوا: جئت طريدًا فآويناك، وجائعًا فأطعناك». فقالوا: «ألمن لله ولرسوله». كلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، قالوا: «المن لله ورسوله». ثم قال: «يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ يا معشر الأنصار، لو سلكتم شعبًا أو واديًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبه». الأنصار شعار، والناس ديثار. لو لا الهجرة لكنتم رأيًا من الأنصار. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار». فبكى الأنصار رضي الله تعالى عنهم. نعم، هكذا ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة العظيمة التي منَّ الله سبحانه وتعالى بها عليهم، وهو وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وأن هذا خير لهم من متاع الدنيا الفاني الزائل. ثم ذكر لهم عظيم منزلتهم عنده، عظيم منزلتهم عنده: لو أن الناس سلكوا الشعوب والأودية، وتفرقوا، لسلك النبي عليه الصلاة والسلام الشعب والوادي الذي سلكه الأنصار، والذي خاضه الأنصار. هذا بيان لفضلهم، ومنزلتهم. ثم ذكر أنهم من ألصق الناس به: «الأنصار شعار، والناس ديثار». الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد. والديثار الثوب الذي يكون بعد ذلك. أي أنهم ألصق بي من دياثرهم. ثم دعا لهم نبي عليه الصلاة والسلام بالمغفرة: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار». هذه فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا لهم بالمغفرة. وهكذا أيضًا جاء في مسند الإمام أحمد، أن الأنصار رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله، إنا لننزح من هذه الآبار، لو أتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فسألناه أن يفجر لنا الجبال عيونًا، بدلًا من أن نتعب وننزح من الآبار، تفجر هذه العيون، وما شاء الله يجري الماء على ظاهر الأرض، فيسقي هذه الزروع. لأن الأنصار كانوا أهل زرع. فأتوا النبي عليه الصلاة والسلام بجماعتهم، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أهلًا ومرحبًا، ما جاء بكم إلينا إلا حاجة؟» قالوا: أجل يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن تسألوني اليوم شيئًا إلا أعطيتموه، ولا سألت الله شيئًا إلا أعطانيه، اليوم الدعوة مستجابة، لا تسألوني شيئًا إلا تحقق لكم، ولا سألت الله شيئًا إلا أعطاني إياه». فنظر الأنصار بعضهم إلى بعض، قالوا: يا قوم، الدنيا تريدون؟ الدنيا تريدون؟ هذه دعوة مستجابة مؤكدة. اتركوا الدنيا، فالدنيا زائلة فانية. مع أنهم ما جاءوا إلا وهم يريدون شيئًا من أمور الدنيا، وهو أن تفجر لهم الجبال عيونًا. ولو دعا النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، لفجر الله عز وجل الجبال عيونًا. لكن لما كانت قلوبهم متعلقة بالآخرة، راغبين فيما عند الله سبحانه وتعالى، قالوا: يا رسول الله، ادع الله لنا، ادع الله لنا، ما دام أن الدعوة مستجابة، والله عز وجل يستجيب دعاءك، ولا يرد طلبك يا رسول الله. فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار». قالوا: يا رسول الله، وأولادنا من غيرنا؟ قال: «وأولاد الأنصار». قالوا: يا رسول الله، وموالينا؟ قال: «وموالي الأنصار». فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة. وجاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، أنه قال: «أحزنني حزنًا شديدًا ما وقع يوم الحرة». قال: فكتب إليَّ زيد بن أرقم رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار». يعني يسليه رضي الله عنه بهذه الدعوة العظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار، أن الله عز وجل يغفر لهم، فما أصابهم ما أصابهم، لن يضرهم ذلك شيئًا، ولن ينتقص ذلك من فضلهم، ومنزلتهم. وهكذا فضائل الأنصار كثيرة، وهكذا فضائل المهاجرين والصحابة جميعًا. والواجب على المسلم أن يعرف فضلهم، فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، الذين أثنى الله عليهم، وترضى عنهم، والذين تركوا أموالهم وديارهم، وهاجروا في سبيل الله، ولأجل الله. والذين قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفدوا بأرواحهم ودمائهم، والذين حملوا هذا الدين، وهذه الشريعة، وبلغوها إلينا، فجاءتنا عن طريقهم، رضي الله تعالى عنهم. فض