الخطبة بعنوان أحوال الناس بعد رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 شوال 1438هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يذكر الخطيب ثلاثة أصناف من الناس في رمضان: المفرطون، الغالون المبتدعون، والصنف المستقيم على هدي النبي ﷺ. ويؤكد أن من أدرك رمضان ولم يغفر له فهو الخاسر الحقيقي.
يبين المقطع الأصناف الثلاثة مجدداً مع التركيز على الصنف المتمسك بالسنة في العبادة والأهل. ويحذر من المنكرات في الختاميات وزيارات القبور بعد رمضان، مشيراً إلى حرص الصحابة على الخيرات وخوفهم من عدم القبول.
يوضح المقطع أن صيام ستة أيام من شوال يعدل صيام الدهر بأجر الحسنة بعشر أمثالها ويكون شكراً على تمام رمضان. ويبين أن التتابع أفضل ويجوز التفريق، مع وجوب قضاء رمضان أولاً، وأن المواظبة على الطاعة بعد الطاعة دليل قبول العمل.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله التوفيق لصيام الأيام الستة ونصرة الإسلام والمسلمين. كما يطلب المغفرة للمؤمنين أحياءً وأمواتاً وصلاح الولاة ودفع الشر مع الصلاة على النبي ﷺ.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول المولى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «استقيموا ولن تحصوا». وقال عليه الصلاة والسلام لسفيان بن عبد الله حينما قال له: «يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك»، قال له صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم». ففي الآيات والأحاديث أمر للعباد بأن يستقيموا على طاعة الله، ويستقيموا على هذا الدين حتى الممات. وقد خرجنا عباد الله من شهر كريم، شهر رمضان المبارك، الذي جعله الله عز وجل شهر رحمة ومغفرة وعتق من النار. هذا الشهر المبارك شهر خير وشهر بركة، فيه مزايا وفضائل عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى فيه. فطوبى لعبد أدرك شهر رمضان وخرج عنه، وقد غفر الله عز وجل له. وبئس لعبد أدرك شهر رمضان فصام مع الصائمين أو قام مع القائمين، لكنه لم يغفر له، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه جبريل عليه السلام فقال له: «رغم أنف من أدرك رمضان ثم خرج فلم يغفر له». هذا المسكين، وهذا البائس، وهذا الخاسر الذي دخل مع الناس في شهر رمضان وأدرك شهر رمضان وصام رمضان، لكنه لم يستشعر حقيقة الصيام، فكان حظه من الصيام الجوع والعطش، فلم يصن جوارحه عن الحرام، ولم يقم في هذا الشهر خير قيام، فكان والعياذ بالله أن خرج عليه شهر رمضان وهو كذلك. والناس عباد الله في هذا الشهر المبارك على أصناف ثلاثة: فمن الناس من دخل عليه شهر رمضان وهو مفرط ومقصر في طاعة الله عز وجل، فلم يجعل له حظًّا من قراءة القرآن، ولا من الصدقة، ولا من صلاة النوافل، ولا من صلة الأرحام، ولا غيرها من عبادة الله عز وجل. نهاره نوم، وليله سهر ولعب وله، والعياذ بالله، سهر على شاشات التلفاز أو في المقاهي أو غير ذلك، ضياع للأوقات، فرَّط فيه وقصر، لم يستشعر حقيقة الصيام ولماذا جعله الله عز وجل من أركان الإسلام. فالصيام عنده نوم، والليل ليس قيامًا وإنما لهو ولعب إلى طلوع الفجر، والعياذ بالله. فهذا الصنف المفرط والمقصر في شهر رمضان خرج عليه شهر رمضان وهو على هذه الحال. وأما الصنف الثاني، والعياذ بالله، فهم الذين غلوا، دخلهم الغلو، فكانوا يتسحرون قبل الفجر بساعات، يجوِّعون أنفسهم، وهكذا عند الإخطار، ربما أخطروا من باب الاحتياط حتى تطلع النجوم وحتى تسود الأرض، زعموا أنهم يحتاطون لصيامهم وأنه لا يكون الصيام كذلك حتى يجوِّعوا أنفسهم، فخالفوا هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصيام، الذي كان عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر»، وكان عليه الصلاة والسلام يؤخر السحور، وهكذا الصحابة الكرام إلى قبيل الفجر بلحظات، وربما تسحروا والمؤذن يؤذن. هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما الليل عند هذا الصنف فهو في البدع والمحدثات في بيوت الله عز وجل، جعلوا ليلة رمضان مخالفًا لهدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنشأوا بدعًا ومحدثات ما أنزل الله بها من سلطان، فأقاموا ليالي شهر رمضان في بيوت الله عز وجل في رقص وفي طرب وفي تمايل بالدفوف والطارات ونحو ذلك، زعموا أنهم يتعبدون الله عز وجل وأنهم يعظمون هذا الشهر الكريم، عياذًا بالله. أليس هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رمضان؟ إنما من هديه الصلاة، فكان يصلي التراويح، وكان يصلي القيام، وهكذا عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم من بعده، فكانوا يحيون السنة، فكانوا يصلون ويقرؤون السور الطوال إحياءً للليل في قراءة القرآن وتعبُّدًا وتهجُّدًا لله سبحانه وتعالى، فلم يكونوا يتمايلون ولا يتراقصون ولا يترنمون ولا ينشدون، وإنما كانوا متبعين، كانوا متبعين لهدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما بال أقوام خالفوا الهدي وخالفوا السنة، وزعموا أنهم يحيون بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ منكراتٌ عظيمة في بيوت الله عز وجل، نهيك عما يحصل في هذه الليالي التي تُسمَّى بالختاميات، نهيك عما يحصل فيها من الاختلاط، نهيك عما يحصل فيها من المنكرات، عياذًا بالله، في شهرٍ فضيل وشهرٍ مبارك وشهرٍ عظيم، شهر رحمة ومغفرة وعتقٍ من النار. وأما الصنف الثالث فهم الصنف الوسط الذين لزموا هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانوا في النهار يعملون ويشتغلون ويدأبون ويجتهدون، جعلوا لهم حظًّا ووقتًا من قراءة القرآن وتدارس القرآن والعلم النافع، فقد كان جبريل عليه السلام يدارس رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، ودارسه مرتين في العام الذي توفي فيه عليه الصلاة والسلام. انظروا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانظروا من هم الذين يتبعون هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلى صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل صغيرة وكبيرة، لم ينسوا حظ أنفسهم، ولم ينسوا كذلك عيالهم وأبناءهم وأهلهم وأسرهم وذويهم وأقاربهم وأرحامهم، فجدوا واجتهدوا، فحافظوا على الصلوات في جماعات، وقرأوا القرآن وتدارسوا العلم النافع، واشتغلوا بالحلال، فكان اشتغالهم عبادة لله سبحانه وتعالى، لم يجلسوا ولم يناموا، لم يجعلوا شهر رمضان شهر كسل وشهر نوم، وإنما جعلوه شهر عبادة وشهر طاعة لله سبحانه وتعالى، سواء كانوا في المساجد أو كانوا في بيوتهم أو كانوا في أعمالهم، فإنهم يقتدون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. وهكذا إذا جاء الليل تراهم عبادًا، تراهم قوامًا لله سبحانه وتعالى، يصلون كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي، فكانوا يقرؤون السور الطوال اجتهادًا في قيام شهر رمضان وحفاظًا على أوقات شهر رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فهم احتسبوا ليالي شهر رمضان، فلم يجعلوها ليالي سهر ولا لهو ولا لعب ولا مشاهدة الحرام ولا ضياعًا للأوقات، وإنما في صلاة. وإذا خرجوا من الصلاة اشتغلوا بعيالهم، اشتغلوا بأهليهم، فآنسوا أهليهم وقاموا بحقوقهم، ففازوا في نهار رمضان كما فازوا كذلك في لياليه. فإذا خرج شهر رمضان عاد الناس كذلك إلى هذه الأصناف: فالذين كانوا مقصرين ومفرطين كان شهر رمضان عليهم ثقيلًا، وكأنهم ما عبدوا الله عز وجل إلا في رمضان، فعادوا لما كانوا عليه من الذنوب والمعاصي، عياذًا بالله، لأنه إذا كان شهر رمضان لم يردعهم عن ارتكاب الحرام وعن المعاصي، فكيف سيردعهم غير رمضان؟ ورمضان كما تعلمون شهر القرآن، شهر الرحمة، وشهر المغفرة، شهر تصفد فيه شياطين الجن. فإذا كانت شياطينهم مكبلة في شهر رمضان وفكت في غير رمضان، فهم يعودون لما كانوا عليه، فكان رمضان عندهم عادة يعتادونها سنويًا. وأما الصنف الآخر وهم أهل البدع والخرافات، فيعودون إلى بدعهم وإلى خرافاتهم، يعودون إليها أشد مما كان، فتقام الزيارات للقبور كما هو معلوم في هذه البلاد، كم من زيارة تحصل في شهر شوال، زيارة الست وابن عمر وغيرها، والمحضار وغيرها من الزيارات، زيارات للقبور، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى، نهى أن تعظم هذه القبور، نهى عليه الصلاة والسلام أن تزار إلا للسلام عليها، لا يقام لها أعياد، لا يقام لها احتفالات، لا يقام لها تعظيم. فما بال هؤلاء القوم؟ أين يعيشون؟ ومن يتبعون؟ وبمن يقتدون؟ النبي صلى الله عليه وسلم معلوم هديه عليه الصلاة والسلام في سائر العام. وهل كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفعلون ذلك في شهر شوال؟ أم أنهم رضي الله تعالى عنهم كما قال الله عز وجل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. انظر يا عبد الله إلى الثناء على هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذا عملوا الطاعات خافوا على أنفسهم من لا يتقبل الله منهم، فيزدادون ويسارعون، أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، يسارعون في طاعة الله عز وجل، ويعملون بما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يحدثون المحدثات، ولا يرتكبون البدع والمخالفات بعد الطاعات. فشهر رمضان ركن من أركان الإسلام، عظمه الله جل وعلا، فينبغي للمسلم أنه إذا خرج عليه شهر رمضان وقد استشعر أن الله سبحانه وتعالى قبل منه عبادته وطاعته، وأن الله عز وجل غفر له، أن يزداد شكرًا لله وطاعة لله، لا يحدث بدعًا ولا منكرات كما يفعلها هؤلاء، والعياذ بالله. وأما الصنف الثالث، الصنف الذين علموا أن شهر رمضان يحتاج بعده إلى شكر، يحتاج بعده إلى عبادة، يحتاج بعده إلى طاعة، فالتزموا ذلك وعملوا بطاعة الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور. الحمد لله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فإن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الشهر، شهر شوال، حثَّ ورغب في صيام ست فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر»، رواه مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه. انظر يا عبد الله إلى إحداث العبادة بعد الطاعة وبعد الركن، فهذه السنن وهذه النوافل، نوافل العبادات، مما تقوي إيمان المسلم، ومما تزيده قربًا إلى الله سبحانه وتعالى. فما شرع هذا الأمر وهو صيام ستٍ من شوال إلا لوجود فوائد للمسلم بعد شهر رمضان، فمن ذلك أنه كان كصيام السنة، لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، والله يضاعف لمن يشاء. فستٌ وثلاثون يومًا بثلاثمائة وستين يومًا، وهي عدد أيام العام، الحسنة بعشر أمثالها، صوم يوم واحد كصيام عشرة أيام، ففيه فضائل عظيمة، وفيه فضائل عظيمة. وفيه أيضًا من الفوائد أن الذي يصوم ستًا من شوال يعتبر كأنه شكر ربه سبحانه وتعالى، شكرًا لله عز وجل أن وفقه وبلغه رمضان فصامه وقامه، فكان من باب شكر النعمة لله سبحانه وتعالى أن يصوم ستًا من شوال، شكرًا لله سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى، والله عز وجل له المحامد كلها، ويستحق سبحانه وتعالى الشكر من عباده، كما قال سبحانه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فشكر النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليك أن وفقك لبلوغ رمضان، ووفَّقك لصيامه وأنت بخير وصحة وعافية، أن تصوم هذه الأيام، فيها استشعار لهذا الأمر العظيم، والشكر عبادة من العبادات الجليلة التي ينبغي للمسلم في الليل والنهار أن يقوم بها بلسانه وبقلبه وبجوارحه. وكذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ست من شوال بشهرين، كان كصيام العام أو كصيام السنة»، رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث ثوبان، وصححه الألباني رحمه الله. فانظر يا عبد الله كيف يضاعف الله عز وجل الأجور لعباده المؤمنين حين يصومون ستة أيام وهي يسيرة، لأنه قد صام شهرًا كاملًا، فتكون عليه هذه الأيام يسيرة، سواء صامها متتابعة أو متفرقة، والتتابع أفضل، لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من صام ستة أيام من الفطر متتابعة كان كصيام السنة»، رواه الطبراني من حديث أبي هريرة، وجاء عند ابن ماجة من حديث ثوبان، وصححه الألباني. صيام الأيام الست الأفضل أن تكون متتابعة كما رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا حرج على من صامها متفرقة. ومن كان عليه صيام من رمضان فعليه أن يقضيه قبل أن يصوم هذه الست، حتى يدخل في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه. هذه الأيام الست عباد الله أيام فاضلة وأيام عظيمة، ينبغي أن نستشعر فيها نعمة الله سبحانه وتعالى أن وفقنا لصيام رمضان وقيامه. وهذه الأيام كما قال أهل العلم: إذا صامها العبد فهو من باب التوفيق له من الله سبحانه وتعالى، لأن الله يوفق عباده الطائعين العاملين، يوفقهم بالحسنة بعد الحسنة. فمن فرط فيها، والعياذ بالله، فرط في هذه الأيام، فليس له حظ من ذلك. فإن علامة قبول الحسنة، قبول الحسنة أن يتبعها المسلم بحسنة أخرى، علامة قبول الطاعة أن يتبعها المسلم بطاعة أخرى، لا يتبعها بمنكر، لا يتبعها ببدع، لا يتبعها بمخالفات، لا يتبعها بمعاصي. فلا يفرط المسلم في أيام فاضلة، فالعمر قصير عباد الله، والأيام محدودة معدودة، ولا يدري أحدنا متى يأتيه أجله. فإن وفقك الله يا عبد الله أن تصوم هذه الأيام، فهذه علامة كما قال أهل العلم على أن الله عز وجل قبل منك الصيام، قبل منك صيام شهر رمضان، وقبل منك عبادتك، وقبل منك طاعتك، لأن الله عز وجل يوفق عبده، والمسلم الحريص على طاعته يوفقه للطاعة بعد الطاعة، والحسنة بعد الحسنة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لصيام هذه الأيام الست، وأن يوفقنا وإياكم لطاعته ومرضاته حتى نلقاه سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين. نسأله سبحانه وتعالى أن يغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. نسأله سبحانه أن يولي علينا خيارنا، وأن يصرف عنا شرارنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.