الدرس في 25 فضائل الأعمال في شهر الصيام - تحري ليلة القدر، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ليلة القدر ليلة شريفة نزل فيها القرآن وتتنزل فيها الملائكة، وهي ليلة سلام حتى مطلع الفجر وقيامها يوازي عبادة أكثر من ثمانين سنة. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريها في العشر الأواخر من رمضان.
ليلة القدر تتنقل بين ليالي العشر الأواخر، وأرجى الليالي هي ليلة السابع والعشرين، ويستحب استغلال هذه الليالي بالطاعات لتحصيل المغفرة والثواب. ينبغي على المسلم أن يجتهد في العبادة خلال هذه الليالي دون تحديد ليلة القدر بشكل قاطع.
يشرع في ليالي القدر الإكثار من الدعاء خاصة دعاء "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، كما يستحب الاغتسال والتطيب وتأخير السحور. يجوز للمرأة الحائض والنفساء والمريض أن يكثروا من ذكر الله والدعاء.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل والصلاة على النبي محمد، ويُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بعلو علم الله تعالى. يُنهي المقطع بالتوجه الديني والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من فضائل الأعمال التي يحرص عليها الصوام، وخاصة ونحن في مثل هذه الأيام، ما يكون من التماس ليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المنيفة التي خصَّها الله جل وعلا بالتكرمات. هذه الليلة هي كما سُميت ليلة القدر، أي هي ليلة ذات قدر وشرف وفضل، رفع الله قدرها عن سائر الليالي والأيام، لعظيم ما خصَّها من الفضائل والمناقب. وقيل سُمِّيت بهذا الاسم لأن الله جل وعلا يُقدِّر فيها مقادير العباد. إخواني في الله، إن هذه الليلة، ليلة القدر، جاءت في حقها فضائل كثيرة تدل على شرفها. ومن ذلكم أن الله سبحانه وتعالى أنزل في حقها سورة تُتلى إلى يوم القيامة. وهذه الليلة، إخواني في الله، التعبد فيها يوازي ويساوي التعبد لله في أكثر من ثمانين عامًا، عمر كامل لو أُشغل بعبادة الله وطاعة الله، يوازي التعبد لله في هذه الليلة اليتيمة الوحيدة، وهي ليلة القدر. من فضائلها ما يكون من كثرة نزول الملائكة فيها، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، تتنزل نزولًا عظيمًا كثيرًا جدًا. وقد جاء في المسند، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن عدد الملائكة الذين ينزلون في هذه الليلة في الأرض أكثر من الحصى. لو أنك يا عبد الله خرجت إلى فلاة أو خرجت إلى سيف بحر وتأملت يا عبد الله على مد البصر من الحصى، عدد الملائكة أكثر، شيء مهول لا يمكن لأحد أن يتخيل العدد. تتنزل ملائكة بنص القرآن، تتنزل نزولًا بعد نزول، بكثرة حتى أن الأرض تمتلئ بهم في هذه الليلة. وهذا الأثر يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. أن عدد الملائكة أكثر من عدد الحصى في هذه الليلة، حتى من نظر في فضائل ليلة القدر ويعلم ما يتعلق بعلاماتها وأماراتها، أن صبيحة ليلة القدر، أي في اليوم الثاني، تجد أن الشمس بيضاء لا شعاع لها. أرجع جماعة من أهل العلم لماذا لا شعاع لها؟ لماذا تكون فقط بيضاء؟ في رواية «كالطشت». قال العلماء: لأن في هذا اليوم، في هذا اليوم، اليوم الثاني، تترفع الملائكة، تصعد إلى السماء. لما تصعد بكثرة تحجب أشعة الشمس، لكثرة ما يكون من صعودها بعد نزولها في الليلة، تنزل ثم في الصباح تصعد، فصعودها يحجب عنك رؤية شعاع الشمس. وهذا له وجاه، ولهذا تكون صبيحة الشمس، صبيحة يوم ليلة القدر، تكون بيضاء لا شعاع لها. هذه الليلة، إخواني في الله، كما وصفها ربنا جل وعلا «سلام هي»، هي سالمة. قيل: أنها سالمة من الآفات والشرور، فلا يقع فيها مضرة للعباد. وقيل: سالمة من الشياطين، أنها لا تتصلت على الآدميين من عباد الله من أهل الإسلام. وقيل: أنها سالمة بمعنى أن الملائكة تسلم على أهلها في المساجد «سلام هي حتى مطلع الفجر». فالشاهد، إخواني في الله، أن هذه الليلة حوت على الأجر الكثير والفضل العظيم الذي لا يخطر على بال أحد من المسلمين. ومن هنا كان ينبغي لكل واحد منا أن يشمر عن ساعد الجد، ومن ذلكم أن يتحراها. ولهذا تذكر هذه الليلة أنها من فضائل الأعمال أنك تتلمس، تتلمس هذه الليلة، تبحث عنها. هذه من فضائل الأعمال، بل جاء ذلك من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «تحرّوا ليلة القدر في كذا وكذا». وجاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «التمسوا ليلة القدر في كذا وكذا». فأمر النبي بالالتماس وأمر بالتحرّي، تبحث. إذن، هذه من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام، ما يكون من الالتماس والتحرّي ليلة القدر. بل ما شرع الاعتكاف إلا لهذا الباب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إني اعتكفت ألتمس ليلة القدر». أخبر نبينا أن الاعتكاف ما قام إلا التماسًا لهذه الليلة الفضيلة، يتحراها المسلم. ومن هنا، إخواني في الله، كان ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يشمّر عن ساعد الجد في أن يتحصّل على هذه الليلة، فيغتنم فضلها ويلتمس بركتها. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كل محروم». هذا محروم الذي يحرم هذه الفضيلة. إخواني في الله، إن مسائل ليلة القدر كثيرة، وسنتبعها في مقام آخر، وخاصة ما يتعلق من ناحية الفقهية. بل نود أن نشير الآن إلى المسائل التي يستفيدها المسلم تربية لنفسه، وخاصة في مثل هذه الليلة المباركة. وأشير إلى مسألتين. المسألة الأولى: ما يتعلق في تعيينها، متى هي؟ أولًا نعلم وينبغي أن نعتقد بأنها موجودة، لا كمن يزعم بأنها رفعت وسلبت عن أهل الأرض، لا، هي موجودة، بدليل أن النبي أمر بالتماسها. ثانيًا: وجودها هل في كل عام؟ الجواب: لا، وإنما هو من خصائص رمضان، من خصائص رمضان، ولا توجد في أي يوم أو أي زمان من أزمان العام. ثالثًا: وجودها في رمضان في كله؟ الجواب: لا، وإنما في جزء منه، وهو في العشر الأواخر، في العشر الأواخر، التمسوها في العشر الأواخر منه. اعتكف نبينا في أحد السنوات في أوائل العشر الأول يلتمس ليلة القدر، ثم أوحي إليه فاعتكف في العشر الأوسط، ثم أوحي إليه فاعتكف في العشر الأواخر، فقال: «التمسوها في العشر الأواخر». فهي موجودة في العشر الأواخر منه. وهل هي في العشر كلها؟ هي نعم، لكن أرجى ما تكون في الأوتار، في الأوتار، في ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين، والتاسع والعشرين، في الأوتار، في الليالي الوترية. وأرجى ما تكون في ليلة السابع والعشرين من رمضان، كهذه الليلة، أرجى ما تكون. وهنا يشكل هذا الأمر، إخواني في الله، مع ما قد يسمعه بعض الناس من أن ليلة القدر وجدت في عهده عليه الصلاة والسلام خارج عن السابع والعشرين من رمضان. فقد جاء في الصحيحين أنها في عهده كأصابتهم ليلة القدر في الحادي والعشرين من رمضان، كما في الصحيحين. وجاء في مسلم أن ليلة القدر وافوها في ليلة الثالث والعشرين من رمضان. فكيف يقال أنها أرجى ما تكون في السابع والعشرين؟ هذا يجرنا إلى مسألة مهمة، ألا وهي أن ليلة القدر، على القول الصحيح، تتنقل، تتنقل، ليس ثابتة، بل هي تتنقل، تارة هنا في أحد الأعوام، وتارة هنا في أحد السنوات، وتارة هنا في أحد رمضان. تتنقل، لكن أكثر ما تكون في ليلة السابع والعشرين، أكثر ما تكون. حتى أن هذا الأمر حدى بجماعة من أصحاب رسول الله من يؤكد على ذلك، ولا يستثني، كما فعل أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، وثُلاثة عن معاوية بن أبي سفيان. بل نقل ذلك ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى عن جماعة من أصحاب نبينا، كحذيفة وغيره، من معاشر التابعين، وهو قول أهل الكوفة قاطبة، كثير يرون أن في هذه الليلة، ولا تتزعزع، لكثرة ما تتكرر في كرثرة الأعوام. ولهذا نقول، إخواني في الله، أرجى ما تكون في هذه الليلة، مع احتمالية أنها قد تتقدم في 21، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، واحتمال أن تتأخر إلى التاسع والعشرين. ومن طريف ما يذكر من فعل بعض الفقهاء في هذه المسألة، قالوا: أن سورة القدر فيها ذكرت «ليلة القدر» وهي المتكونة من تسعة أحرف، «ليلة القدر» مكونة من تسعة أحرف، وجاءت في السورة ثلاث مرات: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ثلاث مرات. قالوا: فلو ضربنا هذا التكرار، ثلاثة في عدد حروفها، تسعة، كم الجواب؟ سبعة وعشرين. قال: هذا مما يستأنس به. وطائفة من الفقهاء ذهبوا كذلك إلى مسلك آخر، قالوا: أن سورة القدر مكونة من ثلاثين كلمة، لو حسبتها حسابًا، من ثلاثين كلمة. فلو جئت بالحساب إلى كلمة «سلام هي»، كلمة «هي» في التعداد سبعة وعشرين، في التعداد سبعة وعشرين. قالوا: هذا مما يستأنس به. والأمر كما قال ابن عطية رحمه الله تعالى: «هذا من ملح التفسير، ليس من متين العلم». قال: «هذا من ملح التفسير، ليس من متين العلم». قال ابن الجوزي: وهو كما قال، أي: هذا مما يستأنس، ويذكره الفقهاء، تسلية لهم. فأن مسألة تحديد ليلة القدر، تكون في الليلة السابع والعشرين، لكن كما نقول: هو أرجى ما تكون، لكثرة تكرارها في عهد السلف الأول، ولازالت تتكرر، ومع احتمالية التقدم والتأخر هنا. إخواني في الله، أحب أن أشير إلى مسألتين متعلقتين بالتحديد. المسألة الأولى: ما لو أنه رجلًا اعتكف، ثم في خلال اعتكافه رأى وعلم، بغلبة الظن، أنه قد أصاب ليلة القدر، هل يخرج من اعتكافه؟ مثل بعض الأعوام، أول ما اعتكف نفس الليلة، وجاءت البراهين على أنها هي ليلة القدر، أو بعدها بليال من اعتكافه، في ليلة الثالث والعشرين، جاءت الأمارات على أنها ليلة القدر، المهم، أو في السابع والعشرين مثلًا، هل له في اليوم الآخر ينفض ثيابه ويأخذ أغراضه؟ إلى أين يا عبد الله؟ «أدركناها، أدركناها، ولله الحمد». فينصرف راشدًا. الجواب: لا، يغلق له الباب، يغلقه، ارجع، أكمل اعتكافك، أكمل اعتكافك، ما يجوز، ولا يشرع هذا، هذا ليس من السنة، هذا ليس من السنة، لأن الاعتكاف يكون في العشر كلها، في العشر كلها. وانظر إلى نبيك عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرنا أنه في عهده أدرك ليلة القدر، متى؟ في الحادي والعشرين، وتارة أدركها في الثالث والعشرين. الجواب: أكمل اعتكافه، أم تركه؟ الجواب: أكمل اعتكافه، إلى أن انتهى، إلى أن انتهى. لهذا ينبغي يا عبد الله أنك تكمل، ولو ظهرت لك القرائن أنك أدركتها، فلا تقطع الاعتكاف، بل اجعلها هذه من النوافل التي تغطي على الفرائض، فإنك في خير، ولازلت في شهر كريم يا عبد الله. كذلك مسألة: وهي لماذا خفيت هذه الليلة؟ لماذا لم تبن وتبين للناس؟ قال العلماء: العِلَّة في ذلك حتى يبقى الاجتهاد، يبقى المسلم في جد واجتهاد، لا يدرك الليلة الأولى أو الثانية أو التي بعدها، فلا يزال يتحرى الليالي جميعًا، يتحرى الليالي جميعًا، بخلاف ما لو حُددت بليلة معينة، لربما فتر في باقي الليالي، وأقام في هذه الليلة. والشرع يريد من عباده الاستمرار والمداومة على العبادة. وقد جاء في البخاري، من حديث عبادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلم بتحديد الليلة، قد علم بذلك، صلوات ربي وسلام عليه، وأنه قد خرج، خرج للناس، أراد أن يخبرهم بوقتها، من باب محبته لنشر الخير لأمته، إلا أن فلانًا وفلانًا من المسلمين تلاحيا، تلاحيا، بمعنى تشاجر. قال: «فخرجت، فتلاحى عندي فلان وفلان، فرفعت»، رفعت، أي: رفعت تعيين. قال: «فلتمسوها في العشر الأواخر». هذا الذي استطاع نبينا أن يحصر ويحدد مكان ليلة القدر، رفعت من أجل هذه المشاحنة، المشاحنة. ومن هنا استفاد العلماء على شؤم المشاحنة، وأنها تذهب بالبركة الدينية والدنيوية، المشاحنة والمخاصمة والمهاترات تذهب بالبركات، سواء كانت بركة دينية، كهذه البركة، بركة إلهية في تحديد ليلة القدر، رفعت بسبب الشحنة دبت. وهكذا قل البركات الدنيوية من الأرزاق، فإنها تمسخ، تمسخ، إذا وجدت مثل هذه الظاهرات من ظاهرة المشاحنات. فابتعد يا عبد الله قدر الإمكان من هذه الظاهرة السلبية، الشحناء والبغضاء، فإن لها الأثر السيء في دينك ودنياك. المسألة الثانية التي أحب أن أنبه عليها في مساء ليلة القدر، ما يتعلق بما يستحب لها، ما الذي ينبغي أن تفعله يا عبد الله في مثل هذه الليالي التي يرجى أن تكون هي ليلة القدر؟ أول ما ينبغي يا عبد الله أنك تستغلها بطاعة الله، باستغلال الأوقات، دعك يا عبد الله القيل والقال، دعك التسوق، احرص يا عبد الله على أنك تترك كل شغل هذه الليلة، إن صحت أنها ليلة العمر، هي ليلة العمر، من حرمها فقد حرم الخير كله. ولهذا تعنّ يا عبد الله في أنك تقبل على الله في هذه الليلة بما تستطيع من قوة وقدرة وجد واجتهاد، في استغلال هذه الليلة بالطاعات والعبادات والنوافل والقربات. وأعظم ذلك القيام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». لا تنتبه لهذه اللفظة، جاءت في بعض الروايات «وما تأخر»، هذه رواية شاذة، وهذه رواية شاذة. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أتى بقاعدة: أن أي حديث فيه من فعل كذا وكذا «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، يرى أن أي حديث فيه «وما تأخر» احكم عليه بالشذوذ، احكم عليه بالشذوذ، ما صح شيء. وهذا من هذا الباب، فإن حديث «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، نعم، لفظة «وما تأخر»، أي: ما سيأتي، هذا لم يثبت عن رسول الله، بل حكم عليها العلماء بالشذوذ. فالشاهد أن النبي قال: «من قام ليلة القدر»، يدخل في ذلك التراويح، يدخل في ذلك التهجد، سواء صليتها جماعة أو صليتها في بيتك، المهم أنك تنتصب لله قائمًا. وأدخل العلماء كذلك من قيام الليل ما يكون من قراءة القرآن، وما يكون من ذكر واستغفار، كل ذلك يعد من القيام. الأمر الثاني مما يشرع في مثل هذه الليالي التي يرجى أن تكون من ليلة القدر، ما يكون من الدعاء، أنك تكثر من الدعاء. فقد ذكر الفقهاء والعلماء أن من أسباب إجابة الدعاء هذه الليالي، من ليالي القدر، أنها محل لاستجابة الدعاء. وقد نبّه الإمام الساعاتي رحمه الله تعالى، وأنه ينبغي على المسلم في مثل هذه الليالي أن يدعو بمهام المسلمين، أو بمهمات المسلمين، أي: يدعو بالأمور العظام التي يهتم لها أهل الإسلام. قال: «فهذا من شأن الصالحين»، هذا من شأن الصالحين، أي: أنك لا تكرس الدعاء لنفسك، وإنما أدع لصالح المسلمين، بالمغفرة والرحمة والنصر والظفر وتغيير الأحوال وكثرة الأرزاق. تدع يا عبد الله لما يعود بالنفع لعامة المسلمين. قال: «فإن ذلك من شأن الصالحين». ومما يذكر كذلك من الدعاء أنك تكثر من قول نبينا: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». اجعلها وردًا، اجعلها وردًا، تأتي به في ليالي القدر، في سجودك، في خلواتك، في ذكرك، عند قراءتك: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». ولفظة «اللهم إنك عفو كريم»، بين قوسين «كريم»، لا تذكرها، وإن كانت قد اشتهرت عند الألسن، لا تذكرها، لأنها لفظة كما قال علماء «لا أصل لها»، ليس لها أصل، وصرح العلماء أنها مدرجة من بعض النساخ، مدرجة من بعض النساخ، فيكفيك أن تقول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». تكثر يا عبد الله من مسألة هذا الورد الذي علمه نبيه لعائشة إذا وافت ليلة القدر. ثالثًا: كذلك مما يستحب في مثل هذه الليالي المباركة ما يكون من الاغتسال، وما يكون من لبس الثياب الجميلة، وما يكون من الطيب. ما يذكر كذلك من تخفيف الفطور أو ما يكون من تأخير السحور حتى تأخذ الحظ الأوفر من القيام. هذه نعم، هذه آداب ذكرها العلماء، بل جاءت عن السلف، عن بعض الصحابة وعن التابعين، أنهم كانوا يتحرون ذلك، يتحرون ذلك في ليالي القدر، يغتسلون، يتطيبون، يتنظفون، يتلبسون لها، يتجملون لها. وكذلك ما يكون في مسألة الإفطار والسحور، أنهم يتخذون العدة التي لا تعرقل عليهم استغلال هذه الليلة. كذلك، إخواني في الله، مما يستحب في ليالي القدر ما يكون من دعوة غيرك، وخاصة من أهلك. فقد كان هذا من شيمته عليه الصلاة والسلام، أنه في العشر الأواخر أحيا ليلة، وأيقظ أهله، وأيقظ أهله، وخاصة في ليالي القدر، كما جاء ذلك من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم في أحد هذه الليالي التي يرجى أن تكون ليلة القدر أخرج بنسائه وأهله، أخرج بنسائه وأهله. فيستحب للرجل أنه في مثل هذه الليالي يشجع غيره، يشجع غيره، ماذا؟ من النساء والأزواج والأمهات والبنات والأولاد، إن أطاقوا ذلك، سواء للتراويح أو للقيام، لحضور الخير. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بالمستحبات، وأنبهك ذلك هنا على مسألتين. المسألة الأولى: قد يقول قائل: «الذي عنده مانع من التعبد، مثل المرء الحائض، المرء النفساء، كيف هي في مثل هذه الليالي الفاضلة؟» قال العلماء: «المجال لها واسع بأنها تكثر من ذكر الله جل وعلا، وتبتهل إلى الله بالدعاء، فتجعل لها نصيبًا، وإن منعت من الصلاة، فلا تمنع من سائر الطاعات والعبادات». فما هناك شيء يمنعها من ذلكم. ويدخل في ذلك المسافر، ويدخل في ذلك المريض، بما لا يشق عليه، وهو في فراشه، يكثر من ذكر الله، تسبيحًا، تهليلًا، استغفارًا، ما لم يؤذه. حتى أن الرجل الكبير الذي ما عهد عنه أنه يصلي، يحرص على الصلاة، حتى الشيخ الكبير. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث ابن عباس، وهو على شرط البخاري، أن رجلًا قال: «يا رسول الله، إني رجل كبير، شيخ عليل، مرني بليلة أصلي فيها، أصيب ليلة القدر». قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالسابعة، عليك بالسابعة». فدل ذلك على أن هذا الرجل مع مرضه وتعبه، ومع ذلك لما أراد أن يلتمس ليلة أشار إليه نبينا إلى هذه الليلة، أنه لا يفوت على نفسه إن استطاع عليها سبيلًا، ولو على كرسيه، يأتي ويحضر جماعة المسلمين. مسألة أخيرة، إخواني في الله، قد يقول قائل: «هل يجوز لي أن أعتكف مثلًا في هذه الليلة وحيدة، آتي، أبقى فيها في المسجد إلى أن يطلع الفجر، سألًا منهيًا حتى مطلع الفجر؟ هل لذلك؟» الجواب: نعم، يشرع لك ذلك. وقد جاء عند ابن خزيمة رضي الله تعالى عنه، أن ولدًا لعبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه سئل: «كيف كان يصنع أبوك في مثل هذه الليالي؟ أي: في ليالي القدر؟» قال: «كان يصلي العصر، فلا يخرج من المسجد حتى يصلي الصبح». يصلي العصر مثل الليلة، يصلي العصر، ثم يبقى من صلاة العصر، فلا يخرج من المسجد إلا بعد الفجر، بعد ما يصلي الصبح يخرج. فدل ذلك على أن هذا مما عرف، وقد أجاز ذلك العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بأنك تقطع وقتًا وتعتكف فيه، وخاصة أن أقل ما يكون مدة الاعتكاف ليلة. فهذا يصدق عليه. فلهذا إذا استطاع إنسان مثلًا أنه يستغل هذه الليلة، حتى ينقطع عن المشاوير، عن التسوق، عن التبضع، فيأتي ويختلي القوة في المسجد، فيفعل هذا، يأتي من صلاة العصر، يأتي قبيل المغرب، فيجلسه جلسة قراءة وذكر وتسبيح وصلاة ودعاء وتضرع وابتهالًا، يتعبد الله إلى أن يطلع الفجر. فشاهد، إخواني في الله، الله، الله في مثل هذه الليالي. وهذا من رحمة الله جل وعلا، مضى أكثر الشهر، لربما الواحد منا في غفلة، وفي غفلة، ومع ذلك جعل ربنا في البقية الباقية خير وبركة، تعوض عما فاتك، تعوض عما فاتك. فشمر يا عبد الله في مثل هذه الليالي، تحراها، تحراها بالصلاة والقيام وبذكر الله، فإن فيها من الأجر الكثير. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.