الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الاستغاثة نوع خاص من الاستعانة والدعاء يقتصر على مواطن الشدة، مستدلاً بآية بدر، ويؤكد وجوب إخلاصها لله وحده. ثم يرد على من يستغيثون بالأموات محتجين بآية النساء (4:64)، مبيناً أن الظرف (إذ) يدل على المجيء للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته لا بعد موته.
يبين المقطع بطلان الاستدلال بقصة الأعرابي عند القبر لضعفها ونكارها، ويرد على احتجاجهم بآية استغاثة رجل موسى موضحاً أنها استغاثة بمخلوق حي حاضر قادر فهي جائزة بخلاف الاستغاثة بالأموات والغائبين. ويختتم بتعريف الاستغاثة بأنها نوع خاص من الاستعانة والدعاء يختص بالشدة ويجب إخلاصها لله وحده.
يبيّن المقطع أن مشركي هذا الزمان أغلظ شركاً من الأولين لاستغاثتهم بالأموات عند الشدة، بينما كان الأولون يخلصون الدعاء لله. ويرد استدلالهم بآية النساء (4: 64) بأنها مختصة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل ظرف (إذ)، كما يبطل احتجاجهم بقصة الأعرابي عند القبر لكونها مناماً ضعيفاً منكراً.
تبيّن المقطع أن الاستغاثة بالمخلوق جائزة إذا كان حياً حاضراً قادراً على الإغاثة، كما في قصة موسى عليه السلام. أما الاستغاثة بالميت أو الغائب أو لطلب ما لا يقدر عليه إلا الله (كالرزق والولد) فهي استغاثة شركية محرمة، ومن وقع فيها فقد أشرك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره لبعض أنواع العبادة في هذه الرسالة الجامعة لعبادة الله وحده، فذكر أولاً الدعاء، ثم ذكر الاستعانة، ثم بعد ذلك ذكر الاستغاثة. قال الشارح عند قول المؤلف: "والاستغاثة": قال الشيخ الفوزان حفظه الله: "الاستغاثة نوع من الاستعانة، لكنها أخص؛ فالاستعانة عامة، والاستغاثة خاصة؛ لأنها لا تكون إلا في أمور الشدة، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فالاستغاثة هي نوع من الاستعانة؛ لأن الاستعانة عامة، تشمل الاستعانة في أمور الرخاء وفي أمور الشدة، في أمور الرخاء وفي أمور الشدة. وأما الاستغاثة فهي خاصة بمواطن الشدة، وفي الأمور الشديدة. وكأن الاستعانة هي بمعنى، أو هي كذلك داخلة في الدعاء؛ لأن الدعاء منه الاستعانة، ومنه الاستغاثة. فالدعاء عام، والاستعانة خاصة من الدعاء؛ لأن الاستعانة كما تقدم: طلب العون، وهذا العون قد يكون في أمر من أمور الرخاء أو في أمر من أمور الشدة. والاستغاثة أخص: هي نوع من الدعاء، وهي أيضاً نوع من الاستعانة. فالاستغاثة لا تكون إلا في الشدة. واستدل بهذه الآية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. قال: هذا في وقعة بدر، لما اشتد الأمر بالمسلمين استغاثوا بربهم. فالمسلمون خرجوا في غزوة بدر، وما قصدوا الحرب والالتقاء بجيش الكفار والمشركين، وإنما قصدوا من خروجهم التعرض للعير التي كانت لأبي سفيان، فخرجوا من أجل هذا فقط، وكان منهم ثلاثمائة وبضعة عشر. فقدر الله عز وجل أن علم أبو سفيان بقدوم النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، فأرسل إلى أهل مكة، فأرسل إلى أهل مكة، فخرج أهل مكة وتجمعوا حتى نزلوا ببدر، وكان عددهم أكثر من ألف. فنجا أبو سفيان بالقافلة، وتفاجأ المسلمون بتعسكر جيش المشركين في بدر. فلا شك أن المسلمين لم يكونوا مستعدين للقاء وللحر، كان عددهم قليلاً بالنسبة لعدد الكفار، وكذلك عتادهم قليلاً بالنسبة لعتاد الكفار. ولكن استعانوا بالله عز وجل، ولما علموا أن هذا الأمر سيكون فيه شدة استغاثوا بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. فوقعت المعركة، وأيد الله عز وجل جنوده وأهل الإسلام، فكانت الهزيمة على أهل الشرك، فكانت الهزيمة على أهل الشرك. فهذه تسمى استغاثة؛ لأن الحال حال شدة، الحال حال شدة. قال: لكنها أخص من الاستعانة؛ لأنها لا تكون إلا في حال الشدة. فيجب إخلاص الاستغاثة لله عز وجل، ولا يجوز الاستغاثة بالأموات إذا وقعت بك شدة من مرض أو فقر أو فاقة أو حاجة أو عقم أو مصيبة في بيت أو في مال أو في ولد، فلا يجوز لك أن تستغيث بغير الله، وأن تطلب الفرج من غير الله سبحانه وتعالى. قال: كثير ممن يدعون الإسلام إذا وقعوا في شدة يستغيثون بأمواتهم وأوليائهم، ويصرخون بأسمائهم في البر والبحر، وهذا من غلظة شركهم، فصاروا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن المشركين الأولين يشركون في حالة الرخاء، لكنهم في حال الشدة يخلصون الدعاء والاستغاثة لله عز وجل؛ لأنهم يعلمون أنه لا ينقذ من الشدائد إلا الله سبحانه وتعالى. أما مشركوا هذا الزمان فإنهم على العكس: إذا وقعوا في شدة استغاثوا بغير الله، ونادوا بأسماء معبوداتهم، كما هو معلوم عنهم، وهذا هو الواقع. كم من قبور شيدت عليها القباب، واستغيث بها من دون الله سبحانه وتعالى! وما هذه الزيارة التي كانت قبل يوم أو يومين عنكم ببعيدة، هذه الزيارة الشركية التي فيها من دعاء غير الله، ومن الاستغاثة بغير الله في هذه البلاد وأكد غيرها من الزيارات الشركية التي تقام لهؤلاء المقبورين. وأهل الشرك لما ينكر عليهم يلبس عليهم الشيطان ببعض الشبه، ببعض الشبه، سواء كان من القرآن أو من السنة، سواء كان من القرآن أو من السنة، ويفرحون بذلك كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. فهم يظنون أن هذا علم، أن هذه الشبه هي علم تبرر لهم شركهم وتبرر لهم عملهم. فمن الشبه الذي يستدل بها هؤلاء على شركهم، وعلى الاستغاثة بغير الله عز وجل، ما جاء في سورة النساء من قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، ﴿لَّوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾. فيستدلون بهذه الآية أن الله عز وجل أمر بالرجوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليستغفر للمؤمنين، ليستغفر بالمؤمنين، فاستدلوا بهذا على جواز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فاستدلوا بهذه الآية على جواز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولا دليل لهم في ذلك، لماذا؟ لأنك إذا رجعت إلى تفاسير أهل الإسلام من أهل السنة يفسرون هذه الآية بالمجيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام حال حياته. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، أي: خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته. وهذا أمر لا شيء فيه: أن يأتي المذنب المقصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته، ويقول له: يا رسول الله، استغفر لي، يعني: ادعُ الله لي أن يغفر ذنبي. فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر لأصحابه، بل يستغفر للمنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر والنفاق والعياذ بالله، كما قال الله عز وجل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فهذه الآية ليس فيها أن تطلب الاستغفار ولو بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. ويدل على هذا الظرف ﴿إِذْ﴾، فقال أهل اللغة: إن ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، لما مضى من الزمان. فإذن: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ يعني: فيما مضى من الزمان، ثم ﴿جَاءُوكَ﴾، فالذنب كان قبل المجيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ولو أراد الله سبحانه وتعالى المجيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولو بعد موته لأتى بالظرف الذي يدل على الاستقبال، وهو ﴿إِذَا﴾، وهو ﴿إِذَا﴾؛ لأن ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. فسيقول الله سبحانه وتعالى: إن كان المراد الإتيان للنبي عليه الصلاة والسلام ولو بعد موته، ستكون الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَا ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾، يعني: ولو كان في المستقبل، ليس فيما مضى منهم الآن. ولو كان في المستقبل فهذا يدل على أن المراد بالآية المجيء للنبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته. أما بعد موته فالنصوص واضحة وصريحة في النهي عن ذلك، وأن من فعل ذلك فقد وقع في الشرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يستغاث إلا بالله سبحانه وتعالى. وهؤلاء أيضاً كما أخبر الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. استدلوا وفرحوا بأثر أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية. وهذا الأثر لم يعزه الحافظ ابن كثير إلى شيء من كتب السنة، وإنما قال: هذه القصة التي هي مشهورة عن بعض الناس. فذكر هذه القصة، وهي: أن رجلاً يقال له العتبي كان جالساً عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء أعرابي فخاطب النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الأعرابي قال له: يا رسول الله، سمعت الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، وأنا جئتك لتستغفر لي، أو لتغفر لي، ولي كذلك تمحى ذنوبي، أو بهذا المعنى. ثم انصرف هذا الأعرابي، وبقي العتبي عند القبر، وسمع هذا الأعرابي. ثم أخذت العتبي قفوة، نام قليلاً، فرأى في المنام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقول له: «الحق هذا الأعرابي وبشره بأن الله عز وجل قد غفر له وتاب عنه». هذا كله في المنام. ففرح أولئك القوم بهذه القصة، فذكرها كثير منهم. قرأت بعض كتب الصوفية في سؤال وجواب، ويستدل على الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث. وهذا الحديث وإن ذكره بعض أهل العلم كالحافظ ابن كثير، لكن لم يعزه إلى أحد، لم يعزه إلى أحد. وشيخ الإسلام ابن تيمية قد رد هذا الحديث، وحكم عليه بالنكارة، وحكم عليه بالنكارة، كما في كتابه «التوسل والوسيلة»، وكذلك في رده على السبكي، وفي غيرها من كتبه. فهذا الأثر يستدل به القوم من قديم الزمان، ليس من يومنا هذا. وأيضاً الشيخ الألباني رحمه الله ذكر هذا الأثر في السلسلة، وحكم عليه أيضاً بالنكارة، وقال: من هذا الأعرابي؟ مجهول. وما يدري من هذا الأعرابي؟ حتى العتبي قال: لا يعرف. فإذا قصة ليس لها زمام ولا خطام، مع نكارتها لمخالفتها للنصوص الواضحة الصريحة في تحريم الاستغاثة. كيف يستدل بها على جواز الاستغاثة؟ هذا يدلك على زيغ قلوب أولئك القوم، وأنهم يأخذون المتشابه، ويأخذون كذلك الضعيف والمنكر، ويستدلون به، ويتركون المحكم الثابت الصحيح الصريح في تحريم هذا الفعل والنهي عنه، والنهي عنه. فإذن: هؤلاء ليست لهم حجة في مثل هذا بالاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولهم شبه أخرى، منها قول الله سبحانه وتعالى حاكياً عن قصة موسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. وقالوا: إذن هذا الذي هو من قوم وشيعة موسى استغاث بموسى؛ لأنه كان يتضارب مع ذاك الآخر الذي هو ليس من شيعته، فاستغاث بموسى، فجاء موسى وأغاثه، فوكز ذلكم الذي هو ليس من شيعتهما، فقضى عليه. فقالوا: إذن تدل هذه الآية على جواز الاستغاثة بغير الله؛ لأن موسى نبي، فتجوز الاستغاثة بغير الله. وهذا كما قلنا من سوء قصدهم وفهمهم؛ فإن هذه الآية جاءت في الاستغاثة الجائزة التي يقدر عليها المخلوق، كما تقدم في الكلام على الاستعانة. فموسى كان حاضراً، وكان حياً، وكان قادراً، فيجوز الاستغاثة به؛ لأن هذا من الاستغاثة بالمخلوق الذي يقدر عليها، والذي يستطيع لها، يستطيع لها، فهو قادر على أن يمنع ذلكم العدو لصاحبه، وهو كذلك حي وحاضر. فهذا من باب الاستغاثة الجائزة. وقد بينا أن الاستعانة تنقسم إلى قسمين، كذلك ما قيل في الاستعانة يقال في الاستغاثة: أنها تنقسم إلى قسمين. استغاثة جائزة، وهي الاستغاثة بالمخلوق إذا كان حياً حاضراً قادراً، حاضراً قادراً. وأما غير ذلك فلا يجوز. فمن وقع فيها فقد وقع في الشرك، فقد وقع في الشرك. كمن يستغيث بغير الله في طلب الرزق أو في طلب الولد، فهذا المخلوق لا يقدر عليه، لا يقدر على هذا الشيء. أو كمن يطلب الاستغاثة من ميت مقبور لا يستطيع أن ينفع نفسه، فضلاً أن ينفع غيره. هذا من الاستغاثة الشركية المحرمة. أو كذلك يدعو غائباً، وإن كان حياً، فذاك في البحر وهذا في البر، وفي مسافات طويلة لا يمكن لبشر أن ينصره أو أن يسمعه، فهو يستغيث به. فهذه من الاستغاثة الشركية المحرمة. فهؤلاء القوم يأخذون بمثل هذا المتشابه، ويتركون المحكم المثبت في تحريم تلكم الاستغاثة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا.الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره لبعض أنواع العبادة في هذه الرسالة الجامعة لعبادة الله وحده، فذكر أولاً الدعاء، ثم ذكر الاستعانة، ثم بعد ذلك ذكر الاستغاثة. قال الشارح عند قول المؤلف: "والاستغاثة": قال الشيخ الفوزان حفظه الله: "الاستغاثة نوع من الاستعانة، لكنها أخص؛ فالاستعانة عامة، والاستغاثة خاصة؛ لأنها لا تكون إلا في أمور الشدة، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فالاستغاثة هي نوع من الاستعانة؛ لأن الاستعانة عامة، تشمل الاستعانة في أمور الرخاء وفي أمور الشدة، في أمور الرخاء وفي أمور الشدة. وأما الاستغاثة فهي خاصة بمواطن الشدة، وفي الأمور الشديدة. وكأن الاستعانة هي بمعنى، أو هي كذلك داخلة في الدعاء؛ لأن الدعاء منه الاستعانة، ومنه الاستغاثة. فالدعاء عام، والاستعانة خاصة من الدعاء؛ لأن الاستعانة كما تقدم: طلب العون، وهذا العون قد يكون في أمر من أمور الرخاء أو في أمر من أمور الشدة. والاستغاثة أخص: هي نوع من الدعاء، وهي أيضاً نوع من الاستعانة. فالاستغاثة لا تكون إلا في الشدة. واستدل بهذه الآية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. قال: هذا في وقعة بدر، لما اشتد الأمر بالمسلمين استغاثوا بربهم. فالمسلمون خرجوا في غزوة بدر، وما قصدوا الحرب والالتقاء بجيش الكفار والمشركين، وإنما قصدوا من خروجهم التعرض للعير التي كانت لأبي سفيان، فخرجوا من أجل هذا فقط، وكان منهم ثلاثمائة وبضعة عشر. فقدر الله عز وجل أن علم أبو سفيان بقدوم النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، فأرسل إلى أهل مكة، فأرسل إلى أهل مكة، فخرج أهل مكة وتجمعوا حتى نزلوا ببدر، وكان عددهم أكثر من ألف. فنجا أبو سفيان بالقافلة، وتفاجأ المسلمون بتعسكر جيش المشركين في بدر. فلا شك أن المسلمين لم يكونوا مستعدين للقاء وللحر، كان عددهم قليلاً بالنسبة لعدد الكفار، وكذلك عتادهم قليلاً بالنسبة لعتاد الكفار. ولكن استعانوا بالله عز وجل، ولما علموا أن هذا الأمر سيكون فيه شدة استغاثوا بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. فوقعت المعركة، وأيد الله عز وجل جنوده وأهل الإسلام، فكانت الهزيمة على أهل الشرك، فكانت الهزيمة على أهل الشرك. فهذه تسمى استغاثة؛ لأن الحال حال شدة، الحال حال شدة. قال: لكنها أخص من الاستعانة؛ لأنها لا تكون إلا في حال الشدة. فيجب إخلاص الاستغاثة لله عز وجل، ولا يجوز الاستغاثة بالأموات إذا وقعت بك شدة من مرض أو فقر أو فاقة أو حاجة أو عقم أو مصيبة في بيت أو في مال أو في ولد، فلا يجوز لك أن تستغيث بغير الله، وأن تطلب الفرج من غير الله سبحانه وتعالى. قال: كثير ممن يدعون الإسلام إذا وقعوا في شدة يستغيثون بأمواتهم وأوليائهم، ويصرخون بأسمائهم في البر والبحر، وهذا من غلظة شركهم، فصاروا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن المشركين الأولين يشركون في حالة الرخاء، لكنهم في حال الشدة يخلصون الدعاء والاستغاثة لله عز وجل؛ لأنهم يعلمون أنه لا ينقذ من الشدائد إلا الله سبحانه وتعالى. أما مشركوا هذا الزمان فإنهم على العكس: إذا وقعوا في شدة استغاثوا بغير الله، ونادوا بأسماء معبوداتهم، كما هو معلوم عنهم، وهذا هو الواقع. كم من قبور شيدت عليها القباب، واستغيث بها من دون الله سبحانه وتعالى! وما هذه الزيارة التي كانت قبل يوم أو يومين عنكم ببعيدة، هذه الزيارة الشركية التي فيها من دعاء غير الله، ومن الاستغاثة بغير الله في هذه البلاد وأكد غيرها من الزيارات الشركية التي تقام لهؤلاء المقبورين. وأهل الشرك لما ينكر عليهم يلبس عليهم الشيطان ببعض الشبه، ببعض الشبه، سواء كان من القرآن أو من السنة، سواء كان من القرآن أو من السنة، ويفرحون بذلك كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. فهم يظنون أن هذا علم، أن هذه الشبه هي علم تبرر لهم شركهم وتبرر لهم عملهم. فمن الشبه الذي يستدل بها هؤلاء على شركهم، وعلى الاستغاثة بغير الله عز وجل، ما جاء في سورة النساء من قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، ﴿لَّوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾. فيستدلون بهذه الآية أن الله عز وجل أمر بالرجوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليستغفر للمؤمنين، ليستغفر بالمؤمنين، فاستدلوا بهذا على جواز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فاستدلوا بهذه الآية على جواز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولا دليل لهم في ذلك، لماذا؟ لأنك إذا رجعت إلى تفاسير أهل الإسلام من أهل السنة يفسرون هذه الآية بالمجيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام حال حياته. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، أي: خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته. وهذا أمر لا شيء فيه: أن يأتي المذنب المقصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته، ويقول له: يا رسول الله، استغفر لي، يعني: ادعُ الله لي أن يغفر ذنبي. فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر لأصحابه، بل يستغفر للمنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر والنفاق والعياذ بالله، كما قال الله عز وجل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فهذه الآية ليس فيها أن تطلب الاستغفار ولو بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. ويدل على هذا الظرف ﴿إِذْ﴾، فقال أهل اللغة: إن ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، لما مضى من الزمان. فإذن: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ يعني: فيما مضى من الزمان، ثم ﴿جَاءُوكَ﴾، فالذنب كان قبل المجيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ولو أراد الله سبحانه وتعالى المجيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولو بعد موته لأتى بالظرف الذي يدل على الاستقبال، وهو ﴿إِذَا﴾، وهو ﴿إِذَا﴾؛ لأن ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. فسيقول الله سبحانه وتعالى: إن كان المراد الإتيان للنبي عليه الصلاة والسلام ولو بعد موته، ستكون الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَا ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾، يعني: ولو كان في المستقبل، ليس فيما مضى منهم الآن. ولو كان في المستقبل فهذا يدل على أن المراد بالآية المجيء للنبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته. أما بعد موته فالنصوص واضحة وصريحة في النهي عن ذلك، وأن من فعل ذلك فقد وقع في الشرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يستغاث إلا بالله سبحانه وتعالى. وهؤلاء أيضاً كما أخبر الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. استدلوا وفرحوا بأثر أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية. وهذا الأثر لم يعزه الحافظ ابن كثير إلى شيء من كتب السنة، وإنما قال: هذه القصة التي هي مشهورة عن بعض الناس. فذكر هذه القصة، وهي: أن رجلاً يقال له العتبي كان جالساً عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء أعرابي فخاطب النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الأعرابي قال له: يا رسول الله، سمعت الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، وأنا جئتك لتستغفر لي، أو لتغفر لي، ولي كذلك تمحى ذنوبي، أو بهذا المعنى. ثم انصرف هذا الأعرابي، وبقي العتبي عند القبر، وسمع هذا الأعرابي. ثم أخذت العتبي قفوة، نام قليلاً، فرأى في المنام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقول له: «الحق هذا الأعرابي وبشره بأن الله عز وجل قد غفر له وتاب عنه». هذا كله في المنام. ففرح أولئك القوم بهذه القصة، فذكرها كثير منهم. قرأت بعض كتب الصوفية في سؤال وجواب، ويستدل على الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث. وهذا الحديث وإن ذكره بعض أهل العلم كالحافظ ابن كثير، لكن لم يعزه إلى أحد، لم يعزه إلى أحد. وشيخ الإسلام ابن تيمية قد رد هذا الحديث، وحكم عليه بالنكارة، وحكم عليه بالنكارة، كما في كتابه «التوسل والوسيلة»، وكذلك في رده على السبكي، وفي غيرها من كتبه. فهذا الأثر يستدل به القوم من قديم الزمان، ليس من يومنا هذا. وأيضاً الشيخ الألباني رحمه الله ذكر هذا الأثر في السلسلة، وحكم عليه أيضاً بالنكارة، وقال: من هذا الأعرابي؟ مجهول. وما يدري من هذا الأعرابي؟ حتى العتبي قال: لا يعرف. فإذا قصة ليس لها زمام ولا خطام، مع نكارتها لمخالفتها للنصوص الواضحة الصريحة في تحريم الاستغاثة. كيف يستدل بها على جواز الاستغاثة؟ هذا يدلك على زيغ قلوب أولئك القوم، وأنهم يأخذون المتشابه، ويأخذون كذلك الضعيف والمنكر، ويستدلون به، ويتركون المحكم الثابت الصحيح الصريح في تحريم هذا الفعل والنهي عنه، والنهي عنه. فإذن: هؤلاء ليست لهم حجة في مثل هذا بالاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولهم شبه أخرى، منها قول الله سبحانه وتعالى حاكياً عن قصة موسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. وقالوا: إذن هذا الذي هو من قوم وشيعة موسى استغاث بموسى؛ لأنه كان يتضارب مع ذاك الآخر الذي هو ليس من شيعته، فاستغاث بموسى، فجاء موسى وأغاثه، فوكز ذلكم الذي هو ليس من شيعتهما، فقضى عليه. فقالوا: إذن تدل هذه الآية على جواز الاستغاثة بغير الله؛ لأن موسى نبي، فتجوز الاستغاثة بغير الله. وهذا كما قلنا من سوء قصدهم وفهمهم؛ فإن هذه الآية جاءت في الاستغاثة الجائزة التي يقدر عليها المخلوق، كما تقدم في الكلام على الاستعانة. فموسى كان حاضراً، وكان حياً، وكان قادراً، فيجوز الاستغاثة به؛ لأن هذا من الاستغاثة بالمخلوق الذي يقدر عليها، والذي يستطيع لها، يستطيع لها، فهو قادر على أن يمنع ذلكم العدو لصاحبه، وهو كذلك حي وحاضر. فهذا من باب الاستغاثة الجائزة. وقد بينا أن الاستعانة تنقسم إلى قسمين، كذلك ما قيل في الاستعانة يقال في الاستغاثة: أنها تنقسم إلى قسمين. استغاثة جائزة، وهي الاستغاثة بالمخلوق إذا كان حياً حاضراً قادراً، حاضراً قادراً. وأما غير ذلك فلا يجوز. فمن وقع فيها فقد وقع في الشرك، فقد وقع في الشرك. كمن يستغيث بغير الله في طلب الرزق أو في طلب الولد، فهذا المخلوق لا يقدر عليه، لا يقدر على هذا الشيء. أو كمن يطلب الاستغاثة من ميت مقبور لا يستطيع أن ينفع نفسه، فضلاً أن ينفع غيره. هذا من الاستغاثة الشركية المحرمة. أو كذلك يدعو غائباً، وإن كان حياً، فذاك في البحر وهذا في البر، وفي مسافات طويلة لا يمكن لبشر أن ينصره أو أن يسمعه، فهو يستغيث به. فهذه من الاستغاثة الشركية المحرمة. فهؤلاء القوم يأخذون بمثل هذا المتشابه، ويتركون المحكم المثبت في تحريم تلكم الاستغاثة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا.