شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 8

شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 8

الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الفطرة وذكر الصباح

يتناول المقطع ذكر الصباح النبوي «أصبحنا على فطرة الإسلام» ويشرح أن الفطرة هي دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تؤكد أن كل مولود يولد على الفطرة السليمة. ويبين أن الانحراف عن هذه الفطرة يأتي بتأثير الشياطين والبيئة المحيطة.

الفطرة الإسلامية وكلمة الإخلاص

يوضح المقطع أن البقاء على فطرة الإسلام يستلزم التمسك بجميع جوانب الدين من توحيد وعقيدة وأخلاق وعبادات ومعاملات. ويشير إلى أن كلمة الإخلاص «لا إله إلا الله» تتطلب علماً ويقيناً وإخلاصاً ينفي الشرك، وأن قبول الأعمال مشروط بالإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

شهادة لا إله إلا الله واتباع النبي

يبين المقطع أن شهادة «لا إله إلا الله» تقتضي الإخلاص لله والمتابعة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به، وأن الدين عند الله هو الإسلام وحده لا يقبل سواه. ويؤكد أن من ابتدع عبادات أو اتبع غير شريعة محمد ف عمله مردود، وأن ملة إبراهيم الحنيفية هي أصل الإسلام الذي أمر النبي باتباعه.

حديث العهد والإخلاص وملة إبراهيم

يستعرض المقطع معاني الحديث النبوي الذي يتعاهد فيه المسلم ربه على الثبات على أصول الإسلام والإخلاص والمتابعة وملة إبراهيم الحنيفية. ويذكر أن هذا الدعاء العظيم كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرره كل صباح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فمن أذكار الصباح التي كان يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه الإمام أحمد في مسنده، ويصححه العلامة الألباني، عن عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين». ما أجمل أن يفتتح المسلم يومه بمثل هذه الكلمات العظيمة! فقد اجتمعت هذه الكلمات في هذا الحديث على تجديد الإيمان، وإعلان التوحيد، وتأكيد الالتزام بدين محمد صلى الله عليه وسلم، والاتباع لملة إبراهيم الخليل عليه السلام، والبعد عن الشرك كله صغيره وكبيره. فهذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث: فهي كلمات إيمان وتوحيد وإخلاص وصدق وخضوع وإذعان ومتابعة وانقياد. فمن حافظ على مثل هذه الأذكار تحققت فيه هذه المعاني العظيمة. وأما شرح هذا الحديث على وجه التفصيل، فقوله عليه الصلاة والسلام: «أصبحنا على فطرة الإسلام». «أصبحنا» أي: من الله علينا بالإصباح ونحن على فطرة الإسلام، متمسكين بها، محافظين عليها، غير مغيرين ولا مبدلين. وأما فطرة الإسلام فالمراد بها دين الإسلام، لأن دين الإسلام هو الدين الذي فطر الله عز وجل الناس عليه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فهذه هي فطرة الإسلام بمعنى دين الإسلام، وهذا الأصل في جميع الناس. ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته فأفسدها، وإلا فالأصل في جميع الناس هذه الفطرة الصافية النقية، فطرة الإسلام. ولذلك جاء في حديث عياض المجاشعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه - الحديث القدسي - أن الله عز وجل قال: «إني خلقت عبادي حنفاء». إيش معنى حنفاء؟ يعني على فطرة الإسلام. «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم». أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. «اجتالتهم» يعني صرفتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً. والحديث رواه مسلم. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل مولود يولد على الفطرة» يعني على الإسلام، «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». إذن هنا يبدأ التغيير، حتى قال بعض العلماء: لو أن طفلاً صغيراً وضع في غرفة ولم يختلط به أحد لنشأ على فطرة الإسلام، لأنها الأصل. ولذلك تجد في الأطفال كثيراً من خصال الإسلام، لأنهم نشأوا على الأصل. مثلاً: ما تجد الطفل يكذب، وما تجد الطفل يحقد. ربما يتصارع مع زميله ويتضارب معه في لحظة، فإذا بهما كالأخوين كأن لم يكن بينهم شيء. صح؟ فهذا من هذا، لأنهم على الفطرة. متى يبدأ الطفل بالتغير؟ إذا خالط غيره. فإن كان هذا الغير فاسداً فسد هذا الطفل، وإن كان هذا الغير صالحاً بقي الطفل على صلاحه. نعمة عظيمة أن يصبح الإنسان وهو على فطرة سليمة لم يصبها تلوث ولا تغير ولا انحراف، فيبقى على فطرة الإسلام. فهي كلمات عظيمة: «أصبحنا على فطرة الإسلام». «أصبحنا على فطرة الإسلام» يعني على دين الإسلام بكل ما يدل عليه هذا الإسلام. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي: خذوا الإسلام من جميع جوانبه. فمعنى «أصبحنا على فطرة الإسلام» يعني على كل ما جاء به الإسلام من التوحيد، من العقيدة الصحيحة، من الأخلاق، من المعاملات، من العبادات، من كل ما أتى به هذا الإسلام. فهي كلمة عظيمة. وقوله: «وكلمة الإخلاص». أصبحنا أيضاً على كلمة الإخلاص. ما هي كلمة الإخلاص؟ هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. هذه الكلمة العظيمة التي من قالها بحق وصد وإخلاص وعلم ويقين، فإن قلبه لا يتوجه إلى غير الله، لا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا ينذر إلا لله، ولا يدعو إلا الله، ولا يذبح إلا لله، ولا يخاف إلا من الله. إذا علمنا هذه الكلمة علماً يقيناً صادقاً خالصاً، فأنت... فأنت تعاهد الله في كل صباح بأنك على كلمة الإخلاص، على التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. فكلمة... فكلمة «لا إله إلا الله» هي كلمة إخلاص وتوحيد ونبذ للشرك وبراء منه ومن أهله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قيل: الكلمة هي «لا إله إلا الله»، وجعلها كلمة باقية في عقبه، أي في ذريته، لعلهم يرجعون. فإذا أصبح العبد وهو على هذه الكلمة العظيمة، لم يغير ولم يبدل، لم يدعُ غير الله، ولم يستغث بغير الله، ولم يتعلق قلبه بغير الله، فلا شك أنه أصبح على أعظم خير. أعظم خير تؤتاه يا عبد الله أن تكون من أهل التوحيد، أن تكون ممن حقق معنى هذه الكلمة العظيمة. فهذا فيه كذلك هذا العهد والتوكيد أنك ما زلت على هذه الكلمة، لم تغير ولم تبدل. وهذا فيه أن هذه الكلمة ليست كلمة تقال وتلاك بالألسن، فيظن بعض الناس أنه إذا قال «لا إله إلا الله» قد حقق معنى هذه الكلمة. لا! أين أنت من مقتضى هذه الكلمة؟ هل وافقت أعمالك قول هذه الكلمة؟ هل اجتنبت الشرك بصوره وأنواعه وأشكاله؟ هل تخلصت من دعاء غير الله، أو الذبح لغير الله، أو التعلق بالقبور وطلب الحاجات منها، وطلب المدد منها؟ هل تخلصت من هذا؟ إن كنت لم تتخلص فأنت غير صادق في قولك «لا إله إلا الله». وقوله: «وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم». أي: وأصبحنا على ذلك الدين العظيم. فهذا الحديث جمع الإخلاص والمتابعة، وبهما تقبل الأعمال، وعند فقد أحدهما ترد الأعمال على صاحبه. فـ «لا إله إلا الله» فيها الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فمن لم يخلص لله لا يقبل له عمل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. لا يحبطن عملك. وهكذا المتابعة: «أصبحنا على دين نبينا محمد» أي: متبعين لدينه، ولما جاء عنه من قوله أو فعله أو تقريره، لا نخترع ولا نبتدع. فالله عز وجل قد رضي لنا دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فمن اتخذ عبادة أو ديناً غير دين محمد عليه الصلاة والسلام فهو على غير الإسلام، أو فعمله مردود عليه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، لا يقبل دين سواه. لو أن إنساناً قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، لا أعبد إلا الله، لكن أريد أن أكون على ملة النصارى الحق، فالدين الحق الذي كان عليه عيسى عليه السلام، فيقال له: لا تنفعك «لا إله إلا الله». إن الدين عند الله الإسلام، وعيسى عليه السلام إذا نزل آخر الزمان فإنه لا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه، وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وهكذا قل فيمن أراد أن يعبد الله عز وجل على دين اليهود، أو على ملة اليهود، وما أنزل على موسى، فهذا أيضاً لا يقبل منه. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فلا بد أن تحقق المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. ودين النبي صلى الله عليه وسلم هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراء من الشرك وأهله، واتباعه عليه الصلاة والسلام فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر عليه الصلاة والسلام. فبهذا تكون على الجادة. فإذا في كل صباح وأنت تعاهد ربك أنك على دين محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى طريقته، وعلى شريعته، لم تغير ولم تبدل... هؤلاء الذين يخترعون عبادات، ربما عبادات في أوقات خاصة، في رمضان هناك أذكار خاصة يقولونها قبل الصلاة وبعد الصلاة وبنغمات معروفة، من أين لهم هذا؟ ﴿مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ﴾، ﴿مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ﴾. فكن على دين نبيك محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى طريقته، وعلى شريعته. ثم قال في آخر هذا الحديث: «وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين». أي: أصبحت على هذه الملة المباركة، ملة إبراهيم خليل الرحمن. وملّة إبراهيم هي الحنيفية السمحة، وهي الإسلام العام التي هي بمعنى «لا إله إلا الله». ولهذا قال: «حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين». مستسلم لله عز وجل، فلا يدعو غيره، ولا يلتفت إلى غير الله عز وجل، وما كان يعبد غير الله سبحانه وتعالى. وقد أمر الله عز وجل نبيه أن يتبع هذه الملة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فهي الحنيفية السمحة، وهي الإسلام العام التي بمعنى «لا إله إلا الله». فانظروا إلى معاني هذا الحديث العظيم، فيعاهد المسلم ربه في هذه الكلمات أنه باق على العهد، وباق على هذه الأصول العظيمة من الإسلام والإخلاص والمتابعة واتباع ملة إبراهيم التي هي الحنيفية السمحة. فهذا دعاء عظيم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله في كل صباح. نكتفي بهذا اليوم إلى هنا، والله تعالى أعلم.