أسباب الثبات على الحق

الخطبة بعنوان أسباب الثبات على الحق، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٦ شوال ١٤٣٥هـ ألقاها

الفتن وآخر الزمان ومقدماتها

يتناول المقطع الأول خطبة دينية تحذّر من الفتن والبلاء في آخر الزمان مستندة إلى أحاديث نبوية. يُشدد على أهمية الإيمان والطاعة للحاكم الشرعي.

أسباب الثبات على الحق في مواجهة الفتن

يُناقش المقطع الثاني أسباب الثبات على الحق، ويُشدد على أهمية الثقة بالله والإيمان بلقاء الله واليقين به كوسائل للثبات. يُستدل بالآيات القرآنية على أهمية هذه الأسباب.

تتمة الكلام عن أسباب الثبات على الحق

يتناول المقطع الثالث أسباب الثبات على الحق مثل التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وكثرة الدعاء والرجوع إلى العلماء ومصاحبة الصالحين. يشير إلى أهمية التسليم بالحكم الشرعي.

الدعاء للثبات على الحق والصواب

يتضمن المقطع الرابع دعاء لله تعالى أن يثبت المؤمنين على الحق مع التأكيد على سلوك الطريق المستقيم والصلاة على النبي وآله وصحابته.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إن خير كلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد، عباد الله، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: الصلاة جامعة، قال: فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمَتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضًا، فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة فيقول: هذه هذه»، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعد أن بين وأعلم وأنذر من الفتن وأنها واقعة لا محالة: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأتِهِ منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعْه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر». حديث عظيم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بين فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا ما سيكون في هذه الأمة، ولا سيما في آخرها: «وإن أمَتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها»، عباد الله. ها نحن ذا نرى الفتن، نرى البلاء العظيم، نرى المتغيرات التي تعصف بهذه الأمة عصفًا، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا يسير، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. عباد الله، فإذا علمنا بل ورأينا وعاينا الفتن المظلمة المحذقة بهذه الأمة، والمتغيرات التي تعصف بها عصفًا، فينبغي على كل مؤمن عاقل أن يعلم الأسباب التي بها ينجيه الله تبارك وتعالى بإذنه من هذه الفتن، ومن هذه المتغيرات، ويثبته الله تبارك وتعالى على الحق والصِراط المستقيم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه من بعده. عباد الله، نتكلم في هذا المقام بإذن الله جل وعلا، فنذكر جملة من أسباب الثبات على الحق، وما أكثرها، والمُوفَّق من وفقه الله تبارك وتعالى للثبات على الحق. عباد الله، إن من أعظم الأسباب التي تكون أسبابًا في الثبات على الحق أن يثق العبد بربه تبارك وتعالى، وأن يفوض أمره إليه، وأن يتبرأ من حوله وقوته، ومن آرائه وذكائه، بل يعلم علم يقين أنه بالله لا بنفسه، لا بقوته، لا بحوله، لا بذكائه، بل بفضل الله وبنعمة الله وبعون الله يسير إلى الله. قال الله تبارك وتعالى في حق نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا وَإِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وربنا تبارك وتعالى يقول له: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، فما أحوجنا، يا عباد الله، إلى عون الله، إلى توفيق الله، إلى طلب المدد من الله، والسداد من الله، والتوفيق من الله رب العالمين جل وعلا، وألا ننظر إلى حولنا، ولا إلى قوتنا، ولا إلى ذكائنا، بل نثق بالله، ونتوكل على الله. قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم عن المؤمنين، وعن ثقتهم بالله جل وعلا، وكيف أن الله تبارك وتعالى جنبهم الفتن، وثبتهم على الحق بتوكلهم على الله، بثقتهم بالله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. عباد الله، إن من أسباب الثبات على الحق الإيمان بالله رب العالمين جل وعلا، واليقين بلقاء الله رب العالمين جل وعلا، واعلموا أنكم ملاقوا من علم أنهم ملاقوا ربه تبارك وتعالى غدًا، وأنه محاسب على عمله، كان ذلك سببًا لبقائه وثباته على الحق بإذن الله رب العالمين جل وعلا. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، إلى أن قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. نصرهم الله، ثبتهم الله بيقينهم بلقاء الله رب العالمين جل وعلا، بيقينهم بلقاء الله جل وعلا. ومن أسباب الثبات على الحق الحكم والتحاكم إلى كتاب الله تبارك وتعالى، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتسليم والرضا والعمل بمقتضى ذلك. قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فأمرهم ربنا تبارك وتعالى بأن يسلموا لحكم الله، ولحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومن أسباب الثبات على الحق كثرة الدعاء، أن تدعو الله تبارك وتعالى بأن يثبتك على الحق، بأن يثبتك على الصراط المستقيم. روى الإمام الترمذي في جامعه من حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، فقالت رضي الله عنها وأرضاها: يا رسول الله، ما أكثر ما أسمعك تدعو بهذا الدعاء، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إنه قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ». فما أحوجنا إلى أن نكثر من الدعاء بأن يثبت الله تبارك وتعالى قلوبنا. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كان من دعائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في صلاته أن يقول: اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. عباد الله، من أسباب الثبات على الحق وسلوك الصراط المستقيم والطريق القويم أن يرجع المسلم إلى العلماء الراسخين الربانيين عند الفتن والملمات، لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بذلك، وأخبرنا أن ذلك من أسباب النجاة من الفتن. قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فيقوون علاقتهم بعلمائهم الربانيين الراسخين الذين عرفوا بصلاح الحال وصلاح القال، الذين يعلمون من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن أحوال السلف ما قد يخفى على كثير من الناس، فينزلون الأحكام الشرعية في منازلها اللائقة بها. عب الله، إن من أسباب الثبات على الحق مصاحبة ومخالطة الأخيار والصالحين. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. وقال نبيُّنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة». أسباب الثبات على الحق كثيرة، وفيما ذكر غنية وكفاية بإذن الله رب العالمين جل وعلا. فأسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يثبتنا على الحق وعلى الصراط المستقيم، وعلى سلوك طريقه القويم، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين.

شاركنا على