الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 107، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
ينقل المؤلف نصيحة الفضيل بن عياض بأن معظم من يُسمون أصدقاء هم حساد لا يسترون زلة ولا يعرفون حق الصحبة، فالصداقة الحقيقية لا تكون إلا بين المتقين. لذلك ينبغي جعل الناس معارف فقط، كتمان السر، ترك المخالطة إلا لضرورة، والاشتغال بإصلاح النفس متوكلا على الله.
ينصح النص طالب العلم بالهيبة والصمت والحذر عند مجالسة العوام، وعدم إلقاء العلم على من لا يفهمه، مع مدارات الأعداء والحساد ظاهرياً وكتمان النعم عنهم. أما الإخوان فيعاملهم بالمبادرة بالدعاء المتبادل دون طلب.
يستعرض المقطع نماذج من أخوة السلف الصادقة المبنية على الإيثار والتضحية في الله، كالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ودعاء الإمام أحمد للشيباني، ويقايسها بأخوة المصالح الدنيوية المنتشرة اليوم. وينصح باختبار الصديق بإغضابه لمعرفة حقيقته، مبيناً أن قوة أخوة السلف كانت لنظرهم للآخرة وزهدهم في الدنيا.
يوضح المقطع أن معيار صدق الأخوة أو الصداقة في الدين يظهر عند الغضب والكراهية، حيث يُختبر الشخص في مواقف الشدة. ويختتم الدرس بالتسبيح والاستغفار والدعاء بالتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف حفظه الله: قال الفضيل بن عياض أبو علي رحمه الله: «رأيت نفسي تأنس بخلطة تسميهم أصدقاء، فبحثت التجارب فإذا أكثرهم حساد على النعم، لا يسترون زلة». هذا يقول: أكثرهم يعني النفس تميل وتأنس إلى أن تخالط، لكن من يقال له الصديق؟ من هو هذا الصديق الحقيقي؟ يقول: أكثر هؤلاء حساد على النعم، يعني إذا أنعم الله عليك نعمة حسدوك عليها، لا يسترون زلة، يعني إذا رأى منك زلة لا يسترها، ولا يعرفون لجليس حقاً، ولا يواسون من مالهم، صديقاً أيضاً لا يواسيك بماله. قال: «فتأملت الأمر فإذا أكثرهم تكاثرهم حساد على النعم، فإذا الحق سبحانه يغيب على قلب المؤمن أن يجعل به شيئاً يأنس به وهو يكثر الدنيا وأهلها، ليكون أنسه به، فينبغي أن تعد الخلق كلهم معارف، ولا تهدي سرك لمخلوق منهم». هذه من النصائح من إملاء الفضيل رحمه الله: أن تجعل الخلق كلهم معارف فقط لأجل المعرفة، وليس للصداقة، لأن الصداقة هذه تحتاج إلى تقوى. قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَكُونُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوًّا إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، فمن هو هذا الصديق؟ المتقون. فإذا تجعل فقط هذه من باب المعرفة، وأيضاً أسرارك لا تفشيها لأحد، هذه من النصائح، لأن اليوم هذا ممكن يكون صديقك، غداً يكون عدو، فإذا كنت تفشي له أسرارك فإنك ستقع في ورطة كبيرة، فهذا الذي كان صديقاً بالأمس عدو اليوم سيفشي تلك الأسرار، ويقول: فلان كان يقول لي كذا وكذا، وكان يعمل كذا وكذا، فأولى للمرء أن يحفظ سره في قلبه ولا يؤديه لحد، أي سر تراه أن هذا قد يتكلم به الشخص وهو يسبك، فاحفظه لنفسك. قال: «ولا تعدن فيهم من لا يصلح لشدة، بل عاملهم بالظاهر، ولا تخالطهم إلا حالة ضرورة وبالتوقي لحظة، ثم انفر عنهم». يعني لا تخالط أكثر الخلق إلا بحالة ضرورة، إذا احتجت إلى المخالطة فخالط، وعاملهم بالظاهر، وأيضاً ينبغي عليك التوقي لحظات منهم، فتنفر عنهم، يعني تتباعد عنهم، وأقبل على شأنك متوكلا على خالقك. حتى يقول بشر بن الحارث الحافي رحمه الله: «حق الإنسان إليّ الذي لا أراه ولا يراني»، يعني من ليس في خلطته كلفة ومشقة، لا تتكلف لي وأتكلف له. وهكذا حتى قيل لإمام أحمد رحمه الله تعالى: «هنا بشر بن الحارث الحافي، ألا ندعوه يأتي إليك؟» قال: «بل هو حقاً موت إليّ»، قل: «هو حقاً موت إليّ». يعني بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى زاهد وعابد، سلام، لكن قال: لا تدعوه، ليس لحاجة نذهب إليه، ولا تدعوه يأتي إليه، فأتكلف له ويتكلف لي. فهكذا ينبغي أن يكون الأمر، يعني أقبل على شأنك كما قال هنا الفضيل. قال: «وأقبل على شأنك»، يعني اهتم بأمورك أنت، لا تهتم بأمور الآخرين، لا تتكلف للناس، بل اهتم بشؤونك وأصلح أمرك، فهذا الذي ينبغي أن يكون منك، أنك تحفظ، وأنك كذلك تراجع، وأنك تذاكر، وغير ذلك مما يصلحك في دينك ودنياك، فأقبل على شأنك، لأن الصحبة والمخالطة هذه تحتاج إلى تقوى، وتحتاج إلى ورع. قال: «متوكلا على خالقك، فإنه لا يجلب الخير سواه، ولا يدفع السوء إلا إياه». هذه النصائح الحضيرية رحمه الله. وقال: «إذا جرت بينك وبينه مخاشنة، فإياك أن تطمع في مصافاته، وأن تأمنه». مخاشنة: مقاطعة، من شيء من الكلام جرى بينك وبينه، مثل ما يحصل في التقاطع والتدابر، يعني أنك تجادله، والمجادلة، وبعد ذلك يصير كلام شوف، فهذا يجري بين بعض الناس، فإذا جرت بينك وبين أحد من تلك المخاشنات وذلك الجدال العقيم، فإياك أن تطمع في مصافاته، وأن تأمنه، لأنه قد يكون مع هذه المخاشنة حقد في القلب، فأنت عندما تذر له الرضا والمودة ربما يطمع فيك. قال: «وأنت آمن، فإنه لا يزال يرى ما فعلته، والحقد كامن»، يعني يكون في قلبه حقد عليك بسبب هذه المخاشنة، إلا من اتقى الله سبحانه وتعالى وأزال ذلك من قلبه، وإلا عادة يبقى في كل شيء، ولا يصفح، لا يصفح إلا مع الخوف من الله سبحانه وتعالى، إذا خاف المرء من الله عز وجل فإنه سيعفو ويصفح، ولن يكون في قلبه شيء. تحصل أحياناً بعض الكلمات النابية من بعض، يعني بعضنا البعض، وربما يجد المرء في قلبه من أخيه، لكن ينبغي أن يزول ذلك، ويستعيذ بالله سبحانه وتعالى، لأن الشيطان يكبر هذه الأمور، وينزغ بين المؤمنين، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]. قال: «وأما العوام فالبعد عنهم متعين». العوام: من لا تصاحب العوام، تستفيد فقط من العوام أن لا تجعلهم أصدقاء وأخلاء لك، لأن العامي عام، فقد لا يقدرك، ولا يحترمك، ولا ينزلك منزلتك، العامي عام، ربما يأتي بكلام لا ترضى. قال: «لأنهم ليسوا من الجنس، فإذا اضطرت إلى مجالسة فلحظة يسير بالهيبة والحذر». إذا جالست يا طالب العلم العوام، من شخص عام، لا يشترط أن يكون كبيراً كبيراً أو في سن، عام لا يعرف شيء من دين الله سبحانه وتعالى، فتكون جلستك فيها هيبة ووقار، يعني إذا في المجلس احتجت للجلوس معه، وأيضاً مع الحذر في كلامه، مع الحذر في كلامه، وأن لا تبث الكلام مع هذا العام، قد يكون من الحمق، قد يكون هذا عام أحمق، فإذا ما أخرجت كلامه أو جادلته فإنه سيغلبك بحمقه، فلذلك إذا اضطررت لمثل هذه المجالس كن على هيبة، أي ألزم الصمت، واسمع ما يقال، وتكون في كلامك على حذر، لأن لا يأخذ عليك. قال: «فربما قلت كلمة فشنعوها»، يعني قلت كلمة فأوها عظيمة، فكبروها وشنعوها، «أوه فلان قال كذا وكذا»، يعني عندهم عظيمة، تسمعون أن فلان قال كذا وكذا، شنعوا عليك، فكن في حذر، لقاء الكلمات عند العوام، لأنه ليس كل كلام يقال عند عامة الناس، والغوغاء. ولهذا حذر ابن عباس رضي الله عنه عمر بن الخطاب لما قال له: إنهم سيقولون كلاماً في الموسم، يعني يقول كلاماً للناس، أن هناك من يريد أن يغصب الناس دينه، قال له: «يا أمير المؤمنين، إن الموسم يجمع رعاعاً من الناس وغوغاءهم، ولكن إذا رجعت المدينة واجتمعت بالمهاجرين والأنصار وأهل العلم، وعلمت قولته، وعلمت قولته». عندما تتكلم بالكلام الذي ينبغي أن ينبغي بالفهم ليعيه السامعون، وأنت ذو منزلة، فإنك ينبغي أن تضع الكلام في مواضع ينبغي أن تضعه عند أهله، عند أهله، لا تجعله في أناس لا يفهمون، لا يفهمون، وربما يضحكون ويشنعون على كلامه. قال: «ولا تلقى الجاهل بالعلم، ولا اللهو بالفقر». يعني في مجلس فيه جهالة تلقاه بماذا؟ بأنك عندك علم، ولا كذلك اللهو، يعني من يلهو بشيء، أنت تفقه، هو ما هو حولك، لأن عنده أشياء يلهو ويلعب بها. قال: «ولا الغبي بالبيان»، يعني الغبي كذلك إنسان غبي ما يفهم، هذا تأتي له بالبيان من الأشياء الواضحة وتبين له. قال: «بل أمِل إلى مسالمتهم بلطف مع هيبة». هؤلاء ماذا؟ هؤلاء الغوغاء والجهال، لذلك عندما تجالس كن على حذر، بلطف مع هيبة. «وأما الأعداء، فلا ينبغي أن تحتقرهم، فإن لهم حيلاً باطلة أيضاً». الأعداء الذين يتربصون فيك، لا ينبغي أن تحتقر شأنهم وتصغر من شأنهم، لأنه مع ذلك ولهم حيل، ولهم حيل باطلة، أي خفية، لهم حيل خفية، فأنت لا ينبغي أن تقدر عدوك، وإذا قدرت عدوك عرفت كيف تتعامل معه. والمراد من أعداء السنة: أعداء السنة من أهل الباطل، ينبغي أن تقدر لهم، لأنهم سيكونون يتربصون بكم، وعندهم تلطف له معنى وله وزن، لهذا ينبغي أن تختارهم. قال: «والواجب مداراتهم ومصالحتهم في الظاهرين». المدارات: أدبهم، بعضهم إقراء ومكاتبة، الأدب من مكارم الأخلاق، كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يداري بعضهم، وليس في المدارة عادة تسمى ماذا؟ مدارات، لك به الظاهر، وهذه ربما تستفيد منها في المستقبل، اجعل في الظاهر السلام، في الظاهر ماذا؟ السلام، ولا تجعل في الظاهر ماذا؟ العداوة والبغضاء، فاجعل في الظاهر أنك كأنك مصالح وتداريه ما استطعت. قال: «ومن جنسهم من حساد، فلا ينبغي أن يطلع على النعم». أيضاً لا تطلع شيئاً أعطاك الله عز وجل من النعم، فالسادة الذين تعرف النعم يتكلمون عليه ويقصدوك على ما آتاك الله من فضله، لا تطلعهم على شيء من النعم، ما نعم الله عليك من علم، ما نعم الله عليك ذلك من مال، ما نعم الله عليك من بني، من أي شيء من ذلك، من تلك النعم، لا تطلع عليها الحساد خاصة، لا تطلع عليها الحساد. بل إذا كان ماذا؟ أمرنا بأن نقضي حوائجنا بالكتمان: «اقضوا حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود». هذا حديث حسن، هكذا يقول: نقضي الحوائج بالكتمان، يعني إذا كانت عندنا حاجة من أمورنا الخاصة، أمور البيت وله ذلك، اقضيها فيما بينك وبين أهلك، بينك وبين نفسك، لا تطلع عليها، ما هو كل شيء تقفر به الناس؟ أنا عملت كذا، أنا عندي كذا، هنا من يتربص فيك ويحسدك على ماذا؟ على النعمة، فتقول: عنك هذه النعم، من حين والحسد، يا ذنب الله. لهذا يقول: «ومن جنسهم، ومن جنس هؤلاء الحساد، كيف تتعامل مع الحساد؟». مع الحساد تتعامل بالصمت، كأنك ما عندك شيء، كأنك ما عندك، ما عندك شيء، لا تطلعهم على شيء، ولا تخبر أحداً بشيء أن عندك كذا أو كذا. قال: «فإن العين حق، ومداراتهم لازمة، مدارات هؤلاء لازمة، وتداريهم، وتدفع عن نفسك أداهم ما استطعت». هكذا يتعامل المسلم، التعامل بالمسالمة بالفقه والعلم، يتعامل مع أجناس الناس، يقرب من يستحق التقريب، يحب من يستحق المحبة، وهكذا من يستحق المدارات، ويكتم أسراره عن الناس، ولا يفشيها لأحد. قال: «يعني أن معاذاً رحمه الله بيّن أن الأخ يحتاج أن تقول: لو اذكرني في دعائك». يعني الأصل أن الإخوان يدعو بعضهم لبعض، الإخوان يدعو بعضهم، بيّن أن الأخ خاص، لما يكون من أصحابك ومن المقربين إليك، لا تقل له: اذكرني في دعائك، بل هو يبادر، يعني يبادل في الدعاء، ويذكرك في دعائه. وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يدعو للشيباني، يكثر من الدعاء للشيباني، حتى قال له ابنه عبد الله: «من هذا الشيباني أن تدعو له؟» يعني في صلاة، قال: «يا بني، لسكت منه الشيباني، قال: هذا الشيباني كالشمس في الدنيا، وكالعافية للناس». وهذا الشيباني منزلته عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا ابن المبارك رحمه الله تعالى، كانوا يدعون لبعضهم البعض، يدعون لبعضهم البعض، لأنهم إخوة متحابون في الله. قال: «وجمهور الناس اليوم معنا ينظرون منهم صديق قضاء، وأما المؤاخاة والمصيبة فذلك شيء مصف». يعني المؤاخاة الحقيقية إذا عرفتها، مثل مؤاخاة المهاجرين والأنصار، هل حد الآن يستطيع تطبيقها مثل المهاجرين والأنصار؟ مما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، قال له: «هذا مالي قد نصفه، وها هنا زوجتان، يطلق إحداهما وتزوج من أخرى، وهذا بيت يقسمه لك، يلا هات واحد من الآن»، يقول: «هذا بيت يقسمه لك نصفين، يلا يا أخي، يقول: تعال، بيت هذا يقسمه لك». هل يطبق جماعة؟ ها؟ هل سيقول: هذه للمؤاخاة؟ آخر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مثل أخي شقيق الذي يعيش معك في بيتك، مثل شقيق من أبي وأم، أخوة، أخوة الدين قوية، أخوة الدين قوية، عنده زوجتان، تطلق إحداهما، وانت تتزوج بالأخرى، ما عندك زوجة، مزوجة، يلا تعال، ما عندك كذا، فانظروا كيف الأخوة الحقيقية. قال: «أما الآن الأخوة والمصافة ذلك شيء نسف». يقول يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: «كانت زمان أخوة حقيقية مبنية على تقوى الله سبحانه وتعالى، والمحبة الحقيقية، يفدي نفسه، يفدي نفسه، ويقدم رفدان لأخيه، حبة قوية في النفوس، حتى يقدم نفسه، يضحي أن يضحي بنفسه، ويبذل ما في نفسه وماله لأخيه الذي أحبه في الله، وتآخيا في الله عز وجل، ليست مؤاخاة مصلحة، لأنه ما يريد مصلحة منه». مؤاخاة مصلحة أكبر الآن، وقوة والصداقة قائمة على المصالح، تعطيني أعطيني، وهكذا، وهذا ليست بقوة في شيء. قال: «فلا تطمع فيه، وما أرى الإنسان يصله أخوه من النسب، ولا ولده، ولا زوجته». يعني حتى يقول: المؤاخاة برضو التي هي من النسب، يعني إذا جئت الآن، صارت عندك كثير منهم منقطعة، حتى بين الأخوة الأشقاء في بيت واحد، فذلك لا يبخل لأخيه شيء، بل يتعارك في البيت الواحد، وكل واحد يربأ بنفسه أنه أحب بذات الشيء من أخيه الآخر. فإذا قال: «وما أرى الإنسان يصله أخوه من النسب، ولا ولده، ولا زوجته»، فدع الطمع في الصفاء، وخذ عن كل جانب، وعاملهم معاملة القرباء، وإياك أن تخدع لمن يظهر لك الود، تخدع لمن يظهر لك الود، فإنه مع الزمان يبين لك الخلل، يبين لك الخلل فيما ضرب، يعني الزمان كفيل أن يبين لك حقيقة هذا الإنسان الذي أظهر لك المحبة والود. وقد قال الماوردي: «إذا رأيت أن تصادق صديقاً فأغضبه، فإن رأيته كما ينظر فصادقه». وهذا اليوم مخاطرة، يعني من هو الذي يصادقه؟ حقيقة لقول: إذا تريد تعرف الصديق الحقيقي، اعمل له عمل يغضب منه، يغضب منه، فإن رضي منك، فهذه ليس صدق، يعني انظروا كيف قال: فأغضبه، أغضبه، فإن غضب، هذا ليس في صديق، وليس في آخر الذي تحتاج أن تآخيه ويصير لك صديقاً. قال: «فإن رأيته ما غضب منك، وعفى عنك، وأكتم سرك، ونحو ذلك، فهذا هو الصديق». قال: «وهذا اليوم مخاطرة، لعن من يفعل، منه يستطيع يفعل ذلك». قال: «لأنك إذا أغضبت أحداً صار عدواً في الحال». والسبب في نسخ، في نصر حكم الصفاء، أن السلف كانت ممتهمة الآخرة وحدها، يعني لماذا كانت قوة الصحابة قوية؟ كانت قوة الصحابة وصداقتهم قوية بعض لبعض، لأنهم كانوا ينظرون إلى الآخرة، ما ينظر إلى الدنيا أبداً، لهذا يؤاخي في الله شكراً وتعالى، ويتحمل عنه كل شدة، أنهم في نفسه، فأن هذا هو نفسه، هو نفسه، ولهذا يتحمل عنه، ويعطيه ماذا؟ من أمور ومتاع الدنيا، ما يحمل يرى بذلك قضاء. ولهذا قال الله في الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ﴿فَبَوَّأَ الدَّارَ وَالْإِيمَانَ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني لو كان بذلك مهتاج لهذا المال، مهتاج لهذا الشيء، حاد شديد، ومع ذلك يعطيه أخاه المهاجر، ولا يجد من نفسه شيء، فيقول: هؤلاء جاءوا عادوا وأخذوا بيوتنا وأخذوا أموالنا، بل يعطيه، ونفسه راضية، لأنهم ما ينظرون إلا إلى الدار الآخرة. وهذا يقول: «أني كانت المثل الأخرى وحدها، فصفت نياتهم بالأخوة والمخالطة، فكانت دينا لا دنيا». هذه المخالطة كانت، كانت دين، مخالطة بعض من بعض على الدين، حتى لو حصل بينهم شيء، فسرعان ما يؤوبون، وسرعان ما يرجعون، ويصفح بعضهم لبعض. حصل بين أبي بكر وعمر، وهذا معلوم في السنة، بين أبي بكر وربيعة شيء، وكل يذهبون إلى عند النبي صلى الله عليه وسلم، وسرعان ما ينتهي الأمر. قال: «ولآن فقد استولى حب الدنيا على القلوب، فإن رأيت متعلقاً في باب الدين فأخبر تقله، فأخبر تقله، أخبر من خبر، وخبرت الأمر إذا عرفته على حقيقته، تقله، القيل البوض والكرهية». إذن يقول: إذا رأيت واحد يقول لك: سأخيك، أو ستكون لي صديقاً في هذا الباب، في باب الدين، قال: عليك أن تعرفه على حقيقته في الغضب والكرهية، هنا الميزان في الغضب والكرهية. لأن الوقت، فجاء نكتفي بهذا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.