الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 20، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح المقطع أن حديث «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» كان قبل تكامل الفرائض، ويرد على قول المرجئة بأن الإيمان جزء واحد لا يزيد ولا ينقص مستدلاً بالقرآن والسنة على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومشبهاً إياه بالكأس يملأ بالماء تدريجياً.
يروي إنكار ابن أبي مليكة على من يزعم أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، ويضرب المثل بفهدان العاصي شارب الخمر مبيناً بطلان التسوية، ثم يستدل بآيات تفرق بين درجات المؤمنين العاملين بالصالحات وتنفي المساواة بين المتقين والفجار، ويختتم بحديث ضعيف عن لعن المرجئة والقدرية.
يبين ضعف حديث «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب» مرفوعاً ويثبته موقوفاً على ابن عباس وابن عمر، ويعلن الانتقال للرد على القدرية في الجزء الرابع مشدداً على أن دين الإسلام يقوم على التفريق بين الحق والباطل، وينتقد تقديم الولاء الحزبي على الولاء الشرعي مستدلاً بآيات الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن مع الموازنة بين اللين والشدة.
يؤكد أن للشدة وقتاً محدداً وأهلاً يناسبهم، كما أن للين موضعه الخاص، ويشير إلى أهمية الموازنة بينهما ومراعاة الأحوال والأشخاص عند التعامل بهما.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «الشريعة»: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا يوسف القطان، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن الزهري، قال: قال لي عبد الملك بن مروان: الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق». سؤال من خليفة وإمام وأمير من أمراء المسلمين إلى عالم من علماء التابعين، وهو محمد بن شهاب الزهري رحمه الله. قال الزهري: قال لي عبد الملك بن مروان: الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق». قال: فقلت له: أين يذهب بك يا أمير المؤمنين؟ هذا كان قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض، أي أن الشريعة نزلت بالتدرج شيئا فشيئا حتى اكتملت، قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فالدين أكمل شيئا بعد شيء. فمن الأحاديث التي كانت في أول الأمر: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، ثم جاءت أحاديث الفرائض. ليس معنى الحديث أن الزنا والسرقة لا تضران صاحبهما، بل تقطع يده، ويخرج عن دائرة حقيقة الإيمان إلى دائرة أصل الإيمان. لا يزن الزاني حين يزن وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب النهبة تتطلع إليها بها أفئدة الناس وهو مؤمن، كما في الصحيح. لا كما قالت المرجئة: إن إيمان من زنا وسرق كإيمان أبي بكر وعمر. فقلت له: أين يذهب بك يا أمير المؤمنين؟ هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض. قال محمد بن الحسين رحمه الله: احذروا رحمكم الله قول من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، ومن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان. هذا كله مذهب أهل الإرجاء. نصيحة من الإمام الآجري رحمه الله تعالى جليلة، كتب هذا الكتاب نصيحة لمن يقف عليه بعده. ونحن اليوم في سنة ألف وأربعمائة واثنين وأربعين، في غرة جمادة الثانية، نقرأ هذا الكتاب، والمؤلف توفي سنة ثلاثمائة وستين، وربما ألف الكتاب قبل ذلك بسنين طويلة، فبيننا وبينه كم؟ أكثر من ألف سنة. نعم، أكثر من ألف سنة، ولا زال هذا الكتاب جديدا وجميلا، ولا ينبغي لطالب العلم أن يهمله، ولا إهمال عادتهم قراءة هذه الكتب. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: ثلاث هن بدعة، أي ثلاث كلمات، وكم من كلمة تحتها نحلة. ثلاث كلمات هن بدعة، أي: ضلالة ومحدثة، لم تكن على عهد من مضى، وإنما اخترعت وتدين بها أقوام وجعلوها دينا، وامتحنوا الناس بها، وهي بدعة محدثة في دين الله: «أنا مؤمن مستكمل الإيمان»، و«أنا مؤمن حقا»، و«أنا مؤمن عند الله». كل هذه العبارات في ذلك الزمان يستعملها المرجئة للدلالة على أن الإيمان جزء واحد، من أتى به فقد أتى به بكماله، لا يزيد ولا ينقص، وإن فعل ما فعل من الذنوب. إيمانه كالرأس من الإنسان، يذهب بذهابه حياة الإنسان، وتذهب حياة الإنسان بذهابه، وتبقى حياة الإنسان ببقائه. وهذا غلط. الله جل جلاله يقول: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ في نزول الآيات. وإذا ما أنزلت سورة، فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيمانا؟ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فكانوا قبل الزيادة في نقص. والمعاصي تضر، لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». كأنه من حديث أنس، أو حديث أنس: «ثلاث، من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». الحديث شاهد: الإيمان عند أهل السنة كالكأس فيه ماء، فإذا أخذت منه قليلا نقص، فإذا زدت فأخذت نقص، فإذا زدت فأخذت نقص، فإذا زدت فأخذت نقص، فإذا نظرت في الكأس وإذا فيه قليل من الماء، هكذا الإيمان. ثم تزيد قليلا فيزيد، ثم تزيد قليلا فيزيد، ثم تزيد قليلا فيزيد، ثم تزيد قليلا فيمتلئ. وهكذا الإيمان: يزداد الإنسان من الطاعات فيزداد الإيمان، ويفعل المعاصي فينقص الإيمان. هكذا الإيمان عند أهل السنة والجماعة فيما جاء في دلائل النصوص. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال: حدثنا نافع بن عمر القرشي، قال: كنا عند ابن أبي مليكة، أحد أئمة التابعين، ابن أبي مليكة عبد الله، فقال له جليس: يا أبا محمد، إن ناسا يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل. فغضب عبد الله بن أبي مليكة، وقال: ما رضي الله تعالى لجبريل عليه السلام حتى فضله بالثناء على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾. يعني جبريل، ذي قوة عند ذي العرش مكين، يعني جبريل مطاع، ثم أمين، يعني جبريل. ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالشاهد أن الله عز وجل أثنى على ملك من الملائكة بآيات ذكرها، فوصفه فيها بصفات: رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش، أي مقرب إلى الله مكين، هذه الصفة الرابعة: مطاع، ثم أمين. كل هذه الثناءات في حق هذا الملك الكريم، ثم قال ربنا جل جلاله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. قال ابن أبي مليكة: أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟ فهدان رجل في زمانه كان يشرب المسكرات. نحوه قال: أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟ لا، ولا كرامة، ولا حب. كل هذا تأكيد لإبطال هذا المذهب. قال نافع: قد رأيت فهدان، كان رجلا لا يصح من الشراب. ما معنى: كان رجلا لا يصح من الشراب عندك يا أبا خالد؟ يعني: يشرب المسكرات دائما، معصية من المعاصي، هو مسلم وكان عاصيا. يقول على مذهب هؤلاء: فهدان وجبريل عليه السلام في الإيمان سواء. نسأل الله العافية والسلام. أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟ لا، ولا كرامة، ولا حب. قال نافع: قد رأيت فهدان، كان رجلا لا يصح من الشراب. قال محمد بن الحسين: من قال هذا فقد أعظم الفرية على الله تعالى، وأتى بضد الحق، وبما ينكره جميع العلماء، لأن قائل هذه المقالة يزعم أن من قال: لا إله إلا الله، لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يركبها، أن يرتكبها، وأن عنده أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئا، والفاجر، يكونان سواء. هذا منكر، هذا منكر والله، قول قبيح ومنكر. قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. هذا دليل على أن هذا الحكم سيء، وأن هذا خلاف العدل وخلاف الميزان، ولهذا قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وقال الله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. يقال لقائل هذه المقالة المنكرة: يا ضال، يا مضل، إن الله تعالى لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات حتى فضل بعضهم على بعض درجات. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾، هذا في المؤمنين وقد عملوا الصالحات: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، جاهد في سبيل الله، عمل صالح. ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾، أي بعد الفتح وقاتلوا، أي جاهدوا، هذا عمل صالح. ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. فلا تسوية بين مؤمنين في اعتبار الأعمال الصالحة بين الفريقين. الله أكبر. قال رحمه الله: فوعدهم الله عز وجل كلهم الحسن، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، بعد أن فضل بعضهم على بعض. ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. فكيف يجوز لهذا الملحد في الدين أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل وميكائيل، ويزعم أنه مؤمن حقا؟ حدثنا قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا شهاب بن خراش، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله نبيا قبلي واستجمعت له أمته إلا كان فيهم مرجئة وقدرية يشوشون، يشوشون أمر أمته من بعده. ألا وإن الله لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبيا، أنا آخرهم». حديث في إسناده ضعف. حديث في إسناده ضعف. والثابت عن بعض الصحابة أنهم لعنوا القدرية والمرجئة. ثابت عن بعض الصحابة أنهم لعنوا القدرية والمرجئة، فيما أذكر: ابن عباس وابن عمر وغيرهما. ابن عباس وابن عمر، هذا الثابت. وأما المرفوع فلا يصح منه شيء. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة ومحمد بن بشر، قال: أخبرنا ابن نزار، علي بن نزار، عن أبيه، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية». قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن شعبة الأنصاري، قال: حدثنا علي بن المنذر الطريقي، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا أبي، وعلي بن نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية». الصحيح: وقف الحديث عن ابن عباس، وليس رفعه، فهو موقوف عن ابن عباس من قوله. وقد يقال: إنه مما قد يحكم له بالرفع، لأنه ليس مما يدخل في الاجتهاد، بل هو أمر غير... «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية». عن ابن عباس موقوفا ثابت، وكذلك فيما أذكر عن ابن عمر أيضا. تم الجزء الثالث من كتاب الشريعة بحمد الله ومنه. هذا الناسخ يقول: وصل الله على نبينا محمد النبي الأمي وآله وسلم، أو وسلم، أمر واسع. وصل الله على نبينا محمد النبي الأمي وآله وسلم. يتلوه الجزء الرابع من الكتاب إن شاء الله تعالى، ويبدأ بالرد على القدرية. يبدأ بالرد على القدرية. وهكذا أهل السنة يجمعون بين بيان الحق وبين رد الباطل. وما ألفت كتب العقائد كلها، وما ألفت كتب العقائد كلها إلا لأجل تمييز الحق من الباطل، وتمييز الإسلام من الكفر، وتمييز السنة من البدعة. فهذا الدين دين تفريق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين الإسلام والكفر. وقد نشأت في زماننا نوابت يتهاونون بأمر المخالفة، ويهونون شأن البدعة وأهل البدع، فخرجوا عن منهج السنة فيما سلكوه وفيما طرقوه. ولاؤهم ليس على السنة، ولاؤهم ليس على الإسلام، وإنما ولاؤهم على حزبهم أو فكرتهم. ربما تجد فيهم رافضية، أو تجد فيهم شيعية، أو تجد فيهم ناصبية، أو تجد فيهم أشعرية، أو تجد فيهم جهمية، أو تجد فيهم نصرانية. وهذا موجود. فنسأل الله العافية والسلام. لكن هؤلاء جميعا يدينون للجماعة بالولاء، فلذلك يقربون، وعن أخطائهم يسكت، ويغض الطرف عن بدعهم وضلالاتهم وشركهم وكفرهم، لأن الولاء ليس على الإسلام أو على السنة، وإنما الولاء على رأي الحزب والجماعة. هذا موجود، هذا موجود في جماعة وفرقة الإخوان المسلمين، هذا موجود فيهم، وموجود أيضا في من انفصل أو خرج عنهم، موجود فيهم هذا. والسنة شيء آخر: السنة بيان للحق ورد للباطل. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. براءة من الشرك وأهله، ومن الكفر وأهله. ويقول سبحانه وتعالى أيضا في هذا الباب: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم قال بعدها: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. لا بد من جدال بالحسنة للباطل، سواء كان المبطل مشركا أو كافرا أو يهوديا أو مسلما ضالا مبتدعا. هؤلاء إن كانوا ليسوا مسيئين في أهوائهم على أهل الإسلام بالأذى، يتلطف بهم لعل الله أن يهديهم. أما إذا كانوا... يقول الله فيهم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال الله في طاغية الأرض فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. لكن المعاند المحارب الذي ظهر خبثه وعظم شره... قال الله في اليهود: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ثم قال بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. استثنى الظلمة منهم، فإنهم لا يجادلون بالحسن. ولهذا تجد منهج السلف يجمع بين اللين في غير ضعف، وبين الشدة في غير عنف. شدة في موضعها، شدة في موضعها، ولين في موضعه. وتجد من لا يعرف منهج السلف ولا يفهمه يخلط هذا الباب. وقديما قال المتنبي: «وَضَعَ النِّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا مُضَرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النِّدَى». ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى. كل شيء يوضع في محله. شدة لها وقتها ولها أهلها، واللين