الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 83، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يعرض المقطع حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي ينهى عن وصال الصوم، مبيناً أن النهي جاء لإبطال عادة جاهلية كانت تُصام فيها بالصمت. يشير العلماء إلى ضعف إسناد هذا الحديث وعلله.
يبيّن المقطع أن الصمات بقصد التعبد كان من خصال الجاهلية، ونهى النبي ﷺ عنه بقوله: «لا صمات يوم إلى الليل»، مؤكداً أن اللسان لا يستعمل إلا في خير. كما يوضح أن وصف اليتم يزول ببلوغ الطفل واحتلامه، مستدلاً بقصة أبي بكر الصديق مع امرأة حجت مصمتة.
يبيّن المقطع أن الصمت المطلق والصوم مع تعذيب النفس بالوقوف في الشمس من أعمال الجاهلية المنهي عنها، وأمر النبي ﷺ أبا إسرائيل بالاستظلال والجلوس وإتمام صومه. يدل ذلك على يسر الشريعة ورفضها للتشديد على النفس في العبادة.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بعلم الله المطلق وبركته. تُختتم الجلسة بالدعاء والثناء على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن صمات يوم إلى الليل». قال رحمه الله تعالى: عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمى بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل». قال: رواه أبو داود بإسناد حسن. قال الخطابي في تفسير هذا الحديث: كان من نسك الجاهلية الصمات، فنهوا في الإسلام عن ذلك، وأمروا بالذكر والحديث بالخير، والحديث بالخير. أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وحديث علي رضي الله تعالى عنه تكلم العلماء في إسناده، في إسناده ثلاث علل ذكرها العلماء، ومنها: فيه عبد الله بن خالد بن سعيد، وهذا لا يعرف، وهكذا أبوه مثله، وهكذا من طريق يحيى بن محمد المديني. وقال فيه الحافظ رحمه الله تعالى: صدوق يخطئ. وذكر العلماء له شواهد يحسن بها، حسّن بها جماعة من أهل العلم، ومنهم أبو داود رحمه الله تعالى، وهكذا من بعده. والحديث فيه أنه عن خصال من خصال الجاهلية، هذه الخصلة أنهم كانوا ماذا يتعبدون؟ بالسكوت وعدم الكلام، وعدم الكلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولا صمات يوم إلى الليل». وديننا يدعو إلى المحافظة على اللسان، وأن لا تستعمل إلا في خير: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وأهل الجاهلية بالغوا في هذا الباب، فيمسك أحدهم عن الكلام خيره وشره تنسكا، وهذا لا يجوز. كذلك قوله: «لا يتمى بعد احتلام»، وهذا فيه أن وصف اليتم يرتفع ويزول في حالة أن يبلغ الطفل، في حالة بلوغ الطفل، وإلا فاليتيم كما عرفه أهل العلم: من مات أبوه وهو لا يزال صغيرا، أي دون الاحتلام. فإذا احتلم وبلغ فعندها يزول وصف اليتم عنه. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من أحمس، أو من أحمس، يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. قال: فتكلمت. رواه البخاري. وقوله: «فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية»، يعني من عباداتهم التي يزعمون أنها تقربهم إلى الله عز وجل. وفيه كذلك إشارة إلى ما تقدم من أنه يجب مخالفة أعمال الجاهلية وأحوالها التي عرفوا بها، أو فيها مخالفة لشريعتنا، أو فيها تفويت لخير عظيم عليه ديننا. وأيضا الحديث يدل على أنه ليس من شعائر الدين أن يتعبد المسلم بالصمت والإمساك عن الكلام المباح، فهذا لا يجوز. نبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا واقفا في الشمس، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل. قال: ما له؟ قالوا: نذر أن يصوم ولا يستظل، أن يصوم ولا يستظل ولا يقعد. فقال عليه الصلاة والسلام: «مروه فليستظل وليجلس وليتم صومه». الصوم عبادة يكملها، لكن لماذا يعذب نفسه أن يقف في الشمس ولا يجلس؟ قال: «مروه فليستظل وليجلس وليتم صومه». كذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا نعلم مدى اليسر الذي جعله الله عز وجل في هذا الدين، وفي هذه الشريعة السمحة. فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، ونسأله تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم تبارك وتعالى.