الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التوسل المشروع هو التوسل بأسماء الله وصفاته وبصالح الأعمال كما جاء في السنة النبوية وتواتر في الأحاديث. من أمثلة ذلك التوسل بأسماء الله الحسنى وبصالح الأعمال كما في قصة أصحاب الغار.
التوسل بالذات بعد الممات بدعة لم تثبت عن النبي ولا السلف، بينما التوسل بالأسماء والصفات ثابت. يجب رد المسائل المختلف فيها إلى الكتاب والسنة.
التوسل بذات المخلوقين يعتبر بدعة مكروهة لم يفعله السلف الصالح، وتعظيم غير الله كتعظيم الله يعد من الشرك الأكبر. التوسل المشروع هو بالأعمال الصالحة والإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى، شيخ حمد بن ناصر، في بيان التوسل الصحيح الذي جاءت به السنة، فقال رحمه الله: والتوسل الذي جاءت به السنة وتواتر في الأحاديث، التوسل والتوجه إلى الله بالأسماء والصفات، وبالأعمال الصالحة، كالدعاء الوارد في السنة، كقولي: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم». هذا من التوسل بأسماء الله عز وجل وصفاته، وهذا مما جاءت به السنة في أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث الذي ذكره المؤلف: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم». وهذا الحديث خرجه الإمام أبو داود رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وإسناده صحيح. قال رحمه الله: وفي الحديث، كما حكى الله سبحانه عن عباده المؤمنين أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم، فقال حاكيا عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾، كما ثبت في الصحيحين من قصة الثلاثة الذين آووا إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم. أحدهم توسل ببره بوالديه، والآخر توسل بعفته، وأنه تاب إلى الله وقد قدر على ابنة عمه، والآخر أو الثالث توسل بأمانته، وأنه أعطى الأجير وأنجز عمله. قال: والتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين وجاههم في حياتهم، أيضا هذا من المشروع الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنهم يتوسلون بدعاء الأنبياء والصالحين. كما ذكرنا من توسل الصحابة بالنبي عليه الصلاة والسلام في الاستسقاء، وتوسلهم بالعباس وبيزيد بن الأسود. وقد جاء أيضا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أكثر من واحد جاءه -أي من الصحابة- وقال له: ادع الله لي يا رسول الله. منها المرأة السوداء التي كانت تصرع، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني أصرع وأتكشف، فادع الله لي. قال: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة». فقالت: بل أصبر يا رسول الله. فهنا جاءت وطلبت الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم. أيضا كذلك في حديث لعمة، جاء وطلب الدعاء من النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام يدلهم على ما هو خير لهم: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت». وقال لعمة: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت، فهو خير لك». وأيضا كذلك توسل الصحابة بالنبي عليه الصلاة والسلام بدعائه، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم توسلوا بالعباس، كذلك قال، ويزيد بالأسود. قال: فالتوسل بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام وشفاعته له، فهذا كل ما لا نزاع فيه، بل هو من الأمور المشروعة، وهو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. مع أن هذا من الوسيلة، إلا أن هناك من العلماء من يفضل أن الإنسان يدعو لنفسه، يدعو إن أراد يدعو لنفسه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فإذا أراد يدعو، يدعو لنفسه، لا يذهب إلى غيره ويقول له: ادع لي. فإن فعل، فهو جائز، لكن الأفضل أن الإنسان يدعو لنفسه أو يصبر. وهذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت، فهو خير لك». قال: كما ذكرنا، طيب. قال: ولا شك أن هذا مما لا نزاع فيه، أي في جوازه. وإلا الأفضل أن الإنسان يدعو لنفسه. قال: الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. أن هذا المشروع، المشروع من التوسل، أن يتوسل بأسماء الله وصفاته، والأمر الثاني يتوسل بأعماله الصالحة، وكذلك أيضا يتوسل بإيمانه بالله جل وعلا، هذا ثابت. أما التوسل بالذات، قال رحمه الله: وهناك رسالة للشيخ ابن عثيمين بين التوسل المشروع والممنوع، وأيضا للعليان. قال: وأما التوسل بالذات، فيقال: ما الدليل على جواز سؤال الله بذوات المخلوقين؟ ومن قال هذا من الصحابة والتابعين؟ من التوسل بالذات لم يثبت في الآيات ولا في حديث. فلهذا قال المؤلف: ما الدليل على جواز السؤال لله بذوات المخلوقين؟ ومن قال هذا من الصحابة والتابعين؟ فالذي فعله الصحابة رضي الله عنهم هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات والتوحيد، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسل ومحبتهم وطاعتهم، ونحو ذلك. وكذلك التوسل بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام وشفاعته في حياته، بدعاء العباس ويزيد. وأما التوسل بالذات بعد الممات، فلا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف. بل المنقول عنهم يناقض ذلك. لم يقل أحد مثلا: بالنبي أتوسل إليك بالنبي، أو بجاهه، أو بحقه، أو أتوسل إليك بالصديق، أو أتوسل إليك بكذا فلان. تجد كثير من الناس يقول: أتوسل إليك بالعيد، الروس بكذا، يأتون بأشخاص من المخلوقين فيتوسلون إلى الله عز وجل بهم. وهذه بدعة، هذه بدعة التوسل بالذوات، بدعة من البدع، ليس من الشرك، لكنها من البدع التي لم تأت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن السلف. قالوا: قد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز، ونقل عن بعضهم جوازه. وممن نقل عن العلماء أنه لا يجوز شيخ الإسلام، في كتابه التوسل والوسيلة، وبين أنه غير ثابت. قالوا: هذه المسألة وغيرها من المسائل، إذا وقع فيها النزاع بين العلماء، فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. ذلكم الله ربكم. قالوا: معلوم أن هذا لم يكن منقولا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا مشهورا بين السلف، وأكثر العلماء على النهي عنه. فيقول المؤلف رحمه الله: أنه ما دام أنه تنازع العلماء فيه، فيرجع فيه إلى الكتاب والسنة. هل ثبت هذا؟ هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بنبيك، أو بجاهي، أو بحقي؟ وما جاء في حديث: «بحق السائلين عليك»، هذا لم يثبت. وإن كان هو متأولا، حق السائلين هو استجابة الله عز وجل لدعائهم، فهو توسل بالأعمال الصالحة. وأما التوسل بالذات والحق والجاه، فهذا لم يثبت عن أحد من السلف، ولا من الأئمة المعروفين كالشافعي وأحمد، وكذلك أبو حنيفة. وأما ما يذكرونه من قصة أن الشافعي يتوسل بأبي حنيفة، فهو من الباطل، أي من القصص الباطلة التي لا أصل لها ولا إسناد. وإنما يذكرها بعض الحنفية في كتبهم بلا إسناد. قال: ولا ريب أن الأنبياء والصالحين لهم الجاه عند الله تعالى، لكن الذين لهم النفع عند الله تعالى من الجاه والمنازل والدرجات، أمر يعود نفعه إليهم، نفعه يعود إليهم، وليس لغيرهم. ونحن نتشفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم. فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبيه صلى الله عليه وسلم ومحبته وطاعته واتباع سنته، كان هذا من أعظم الوسائل. أيضا لو توسل بمحبته للمؤمنين، أيضا هذا من التوسل. وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته، فلا يكون وسيلة. وهذا فرق ينبغي أن يعرف. فرق هناك بين أن يتوسل بالذات، فهذا لم يثبت في العدل. أننا نحن ما نقول أن هذا مثلا لا يجوز أو أنه شرك، لا. لكن لم يثبت في العدل. الذي ثبت في العدل هو التوسل بأسماء الله وصفاته، وبالإيمان، وبالأعمال الصالحة. فنتوسل مثل ما جاء في الكتاب والسنة. لو قال قائل: ما الذي يمنع أننا نتوسل إلى الله عز وجل بالذات أو بالجاه أو بالحق؟ نقول: أن هذا لم يثبت في العدل، فهو بدعة. لأن هذا عبادة، توسل عبادة وطاعة، لا بد أن تكون بالأدلة. فمن توسل بالذات أو بالجاه أو بالحق، فهو قد ابتدع في دين الله جل وعلا. قال: وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته، فلا يكون وسيلة. فالتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بما مر من المتوسل به من الدعاء للمتوسل أو بمحبته واتباعه، فبأي شيء يتوسل به؟ والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة، فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك. مثلا يقول لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان. قال: الإنسان هذا في الدنيا، معناه الآن يريد يبين الشيخ أنه الإنسان مثلا إذا أراد من الله عز وجل شيء وأراد أن يتوسل بمخلوق، هل يتوسل بذات المخلوق؟ هذه ليست الشفاعة أصلا. هو الآن يريد أن يشفع له بتوسله بهذا الأمر، فلا يكون إلا بدعائه أو بعمله الصالح أو بأسمائه وصفاته. فهذا الذي ينبغي أيضا. كذلك الشفاعة لا تكون إلا بكلام، ما تكون الشفاعة بدون كلام. فيتوسط له -أي بكلام- فيدعو الله عز وجل. قال: أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان. وهذا جائز. قال: وإما أن يقسم عليه. ولا يجوز الإقسام على مخلوق بمخلوق، كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين. أنا قسمت عليك بفلان أن تفعل كذا، هذا لا يجوز. لا يجوز أن يقسم بمخلوق. أولا: أنه إن كان لأجل أن هذا مثلا معظما عند غيره أو مجلا عند غيره، فإنه يعتبر شركا أصغر. وإن كان حلفه ذلك تعظيما لهذا كتعظيم الله، فهو من الشرك الأكبر. قال: فالتوسل إلى الله بذات خلقه، بدعة مكروهة، لم يفعلها السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ثم ذكر كلام القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان، وهو كلام طيب.