الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 80، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن النووي تحريم السحر مستنداً إلى آية البقرة التي تبرئ نبي الله سليمان مما نسبه إليه اليهود، وتوضح أن الشياطين هم مصدر تعليم السحر. كان اليهود في المدينة أكثر من يتعلم ويعلم السحر، وسحروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله براءة سليمان وكشف كذبهم.
يسرد الحديث الوارد في السبع الموبقات المهلكة ومن بينها السحر، مبيناً أن تعلمه وتعليمه كفر. ثم ينتقل إلى باب النهي عن السفر بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه بأيدي العدو، مستدلاً بحديث ابن عمر في النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.
يُعرّف أرض العدو بأنها بلاد الكفار المعادية للإسلام، ويؤكد وجوب تعظيم القرآن وعدم تعريضه للامتهان، فيحرم السفر به إذا خيف تدنيسه. ويجوز السفر به إذا أمن ذلك كما في كثير من الدول اليوم التي توجد فيها مساجد ومكتبات آمنة، مع ذكر أمثلة لبلدان حاقدة تاريخياً وتحويل معالم إسلامية.
يدعو المتحدث الله أن يحفظ دينه وأن يتوفاه مسلماً، ويسأله الانتقام من اليهود والنصارى الصليبيين وإظهار قدرته فيهم. ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب التغليظ في تحريم السحر». قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ [البقرة: 102]. وتعلم السحر في اليهود من الأمور المتفشية، ولهذا ادعى اليهود أن سليمان كان يحكم حكمه ويملك ملكه بسبب السحر الذي معه. قال تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]. حاشى سليمان أن يكفر أو أن يعتمد أو يتعامل بالسحر، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. قال: ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان اليهود في المدينة أكثر الناس تعلماً وتعليماً للسحر، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات الكريمات التي فيها براءة نبي الله سليمان مما نسبه إليه اليهود، ومن جرأتهم سحرهم للنبي صلى الله عليه وسلم، سحره لبيد بن الأعصم، عليهم من الله ما يستحق. قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». ومعنى الموبقات: أي المهلكات، ذنوب عظام مهلكة لأصحابها. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». متفق عليه. والشاهد منه ذكر السحر في الموبقات، وهكذا الذنوب العظام المحرمة، بل كما سبق أن تعلم السحر وتعليمه يعتبر كفراً بالله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه بأيدي العدو». إذا خيف، ومفهومه أنه إذا لم يخف ذلك فلا بأس بأخذه في بعض بلاد الكفار، الأمور فيها شيء من الأمان، ممكن يأخذ المصحف ويقرأه وينتفع به، بخلاف البعض الآخر تعرض المصحف للامتهان في بلاد الكفار إذا وقع بأيديهم. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن، أي بالمصحف، إلى أرض العدو، إلى أرض العدو. متفق عليه. وأرض العدو: أي بلاد الكفار الذين يكنون العداوة للإسلام وأهله، ومن عداوتهم فإنهم لو تمكنوا ووقع القرآن بأيديهم لاحرقوه ومزقوه، وهكذا دنسوه إلى غير ذلك، فالواجب تعظيم كتاب الله عز وجل وعدم تعريضه للامتهان أو كذلك أيضاً للاستهانة. ولهذا لا يجوز السفر بالقرآن إذا كان الحال كذلك، وأما إذا أمن ذلك فيجوز، كما هو الحاصل اليوم في كثير من بلاد الكفار فيها المساجد الإسلامية والمراكز الدينية المليئة بالمصاحف والمكتبات العلمية، فلا يتعرضون لشيء من ذلك، بخلاف بعض البلاد الحاقدة كفرنسا مثلاً، مثلت اليوم يعني من أشد البلدان حقداً على الإسلام، إسبانيا وكذا غيرها. ومما يزيد حقدهم إذا رأوا آثار المسلمين ومعالم الإسلام التي تدل على ما كان عليه أهل الإسلام من قوة ومن علم وحضارة، بينما هم يقبعون تحت سيطرة الكنائس ويعيشون في ظلمات الجهالات، وهكذا يعيشون الظلم والاضطهاد، وهكذا غير ذلك. فهذه المعالم الموجودة اليوم التي لا تزال باقية وظاهرة، وإلا فكثير منها غير، حولت مساجد إلى كنائس، وهكذا جامعات إسلامية ومدارس إسلامية إلى غيرها مما يحلو للكفار من الصليبيين أن يحولوها إليه من المراقص وغيرها. فنسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا وأن يتوفانا مسلمين، ونسأله تبارك وتعالى أن ينتقم من اليهود والنصارى الصليبيين، وأن يرينا فيهم عجائب قدرته، وأن يقر أعيننا بدمارهم وهلاكهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.