الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  52

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 52

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 52، ألقاها

ترجمة رواة الحديث وشرح حديث في صحيح مسلم

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة وكيع بن الجراح وعكرمة بن عمار، ويشرح حديثًا في صحيح مسلم رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، مع بيان انتقاد أحمد لهذا الحديث.

قصة أم سليم مع النبي وتعليمها الدعاء

جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت تعليمه لها كلمات تدعو بها، فعلمها النبي أن تسبح الله وتحمده وتكبره عشرًا ثم تسأل حاجتها، وتظهر جرأتها في السؤال عن أمور دينها.

التوسل بأسماء الله وصفاته وأهمية الإلحاح في الدعاء

يشرح هذا الفصل أهمية التوسل بأسماء الله وصفاته في الدعاء، مع التشديد على الإلحاح في الدعاء والثناء على الله قبل الطلب لزيادة فرصة الاستجابة.

التفريغ النصي الكامل

الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا وكيع، ووكيع هو وكيع بن الجراح الرؤاسي، حافظ من حفاظ أهل الكوفة، وهو الذي جلس في مكان الثوري، لم يرضَ أهل الكوفة بأحد يجلس في مكان سفيان الثوري إلا وكيعًا، لمكانته عندهم في الكوفة وحفظه -رحمه الله-، فكان يعد من أثبت أهل الكوفة بعد سفيان الثوري. وقال الإمام أحمد: الهيثم بن جميل، كم كان يسرد لكم إسماعيل بن عياش من الحديث؟ قال: يسرد عشرة آلاف حديث. وقال أحمد -رحمه الله-: فهذا مثل وكيع عندنا، أي في العراق. قال وكيع: حدثنا عكرمة بن عمار، وهو الدهني، وهو ثقة إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فهو يضطرب في روايته عن يحيى، وإلا فهو ثقة من رجال البخاري ومسلم، بل من رجال الشيخين، ولكن كما قلنا في روايته عن يحيى بن أبي كثير يضطرب، وإن كان قد روى مسلم -رحمه الله- بعض الأحاديث التي من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى. وأما البخاري فلم يروِ شيئًا من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى. ولعل أقرب مثال في صحيح مسلم حديث عائشة في صلاة الليل، في الدعاء، ﴿كان يدعو في صلاة الليل﴾، جاء عند مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو في صلاة الليل، فيقول في سجوده -أو قال-: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». فهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من هذه الطريق، وقد انتقده أو أعله أحمد، فقال: عكرمة اضطرب في هذا الحديث. لكن الظاهر أن أصل الحديث صحيح، أصل الحديث صحيح، فلهذا ذكره الإمام مسلم في صحيحه. قال: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإسحاق هو من أحفظ أبناء عبد الله بن أبي طلحة، وعبد الله بن أبي طلحة هو ولد أبي طلحة أخي أنس، وعبد الله أخو أنس من أمه، وأبو طلحة هو زوج أم سليم، وقصتهما مشهورة في الصحيح، في صحيح مسلم، أو في صحيح البخاري، لما مات لهما طفل، والظاهر أنه أبو عمير، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلاطفه، فيقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». فأصابه شيء من التمر، ومرض فمات، فجاء أبو طلحة يسأل، فقالت له أم سليم: إنه قد ارتاح، أو لعله أراح من قبل، أي أنه مات، لكن عبرت بهذا التعبير -رضي الله عنها-، فلما أصبح قالت له: لو أن جيراننا أودعوا عندنا وديعة، ثم طلبوها، فهل نعطيهم إياها؟ قال: نعم. قالت: «إن الله عز وجل استودعنا هذا الولد، ثم طلبه منا». فغضب أبو طلحة، وقال: جعلتني أقترف هذه الليلة، وابني قد مات، أو كما قال -رضي الله عنه-، ثم ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، واشتكى عنده ما صنعته أم سليم، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بارك الله في ليلتكما، بارك الله في ليلتكما». قال الراوي: فإنه ولد لأبي طلحة، أو لعبد الله، ثم جاءهم ولد، وهو عبد الله، وولد بعد ذلك لعبد الله عشرة من الولد، كلهم يحفظ القرآن، وهو صغير. قال: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، وهو عمه، أنس عم إسحاق بن عبد الله، وعبد الله بن أبي طلحة أخوه من أمه، قال: «جاءت أم سليم إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، أم سليم هي أم أنس، يقال: إنها تزوجت رجلًا من قبل، فولدت له سليمًا، ثم تزوجت مالك بن النضر، وهو والد أنس، وأنجبت منه أنسًا، ثم تزوجت أبا طلحة». وأم سليم اختلف في اسمها، وكذلك كانت تلقب بالرميصاء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الرميصاء في الجنة». وجاء في رواية: «امرأة طلحة». قال: «جاءت أم سليم إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقالت: يا رسول الله، علمني كلمات أدعو بهن». وهذا يدل على حرص هذه المرأة -رضي الله عنها-، وهي التي اشتهرت بقولها -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟». حتى وضعت أم سلمة يديها على وجهها، وقالت: «فضحت النساء يا أم سليم». فكانت -رضي الله عنها- تسأل عن دينها، ولهذا قدمت بهذه المقدمة: «إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نعم، إذا رأت الماء». قال: «جاءت أم سليم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسألته هذا السؤال: علمني كلمات أدعو بهن». وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدخل على أم سليم، بل وحيانًا ينام القيلولة عنده، ولهذا اختلف أهل العلم: لماذا يدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- بيت أم سليم؟ فمنهم من قال: إن هذا خاص برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت أم سليم من بني النجار، من أخوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقيل: إنما بينهما رحم، لكن هذا الرحم لم يعلم، فلهذا قالوا: لعله خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. ولما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إني أرحمها، يريد أم سليم وأم حرام بنت ملحان، فإن أخاهما قتل معي». وأراد حرام بن ملحان -رضي الله عنه- لما قتل في مؤتة، وكان من خيرة الناس، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحبهم، فإكرامًا لهم، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدخل على أم سليم، ويدخل بيت أنس -رضي الله عنه-، ويصلي بهم أحيانًا. فقالت: «يا رسول الله، علمني كلمات أدعو بهن». قالت: «تسبحين الله عز وجل عشرًا، وتحمدينه عشرًا، وتكبرينه عشرًا، ثم اسألي حاجتك، فإنه يقول: قد فعلت، قد فعلت». قال: «هذا حديث حسن على شرط مسلم، وأخرجه النسائي»، كما في تحفة الأشراف. قال: وقال الإمام الترمذي -رحمه الله-: حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، وهو مروزي، من مرو، مرو البلد المشهورة في خراسان، مرو، ليست مرو الروذ، هناك مرو ومرو الروذ، فمرو النسبة إليها مروزي، ومنها عبد الله المبارك -رحمه الله- مروزي. وأيضًا الأخرى، وهي مرو الروذ، مرو الروذ النسبة إليها مرودي، ولهذا من أصحاب الإمام أحمد اثنان، أحدهما مروزي، والآخر مرودي، أبو عبد الله المروزي، وأبو عبد الله المرودي. قال: حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، وهو كما قلنا مروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، وهو إمام أهل خراسان، وإمام أهل المشرق جميعًا، وحافظهم، وكان كما قال سفيان بن عيينة: «ما رأيت أحدًا ارتفع مثل عبد الله بن المبارك، لم يسبقه أحد إلا بشرف الصحبة»، أي كان له من صفات الصحابة، وكان -رضي الله عنه- يلتمس هذه الصفات، حتى لما قيل له: ألا تجلس معنا؟ قالوا: ما أريد معكم تغتابون الناس، إني أجلس مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين، أنا أجلس أقرأ صفاتهم، وما كانوا عليه، وكيف كانوا على دين الله عز وجل، وكيف فتاواهم. قال: «إني أجلس مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين». فلهذا أخذ عبد الله بن المبارك صفاته، وكان -رضي الله عنه ورحمه الله- من العلماء بالحديث، والعلماء بالفقه، وكذلك علماء اللغة، وكذلك أيضًا هو من المجاهدين، فكان سنة يحج، وسنة يجاهد في سبيل الله، أنا من أهل الثغور، فكان أيضًا من المتصدقين، وكان أيضًا من التجار، يعمل في الزيت، يبيع ويشتري في الزيت، ويقول: «لولا فلان وفلان -وسمى رجالًا من العلماء- ما اتجرت»، كأنه يتجر لأجل أن يغني هؤلاء عن السؤال، فيعطيهم نفقة لأجل أن يغنيهم عن السؤال. قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار، وهو الدهني كما قلنا، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: «أن أم سليم غدت -غدت مع ناس من الغد أو من الغدوة من الصباح- على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقال: علمني كلمات أقولهن في صلاتي». فقال: «كبر الله عشرًا، وسبح الله عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم اسألي ما شئت، يقول: نعم، نعم، يستجيب الله عز وجل». قال أبو عيسى: «حديث أنس حديث حسن غريب». قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن، ورجاله رجال الصحيح، وقال: حسن، لما في عكرمة بن عمار من الكلام، وإلا كما قلنا فهو الأصل أنه ثقة مقبول الحديث، لكنه في رواية عن يحيى بن أبي كثير يضطرب. وقد أخرجه الحاكم، فقال -رحمه الله-: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، وهو حافظ من حفاظ أهل نيسابور، قال: حدثنا إسماعيل بن قتيبة، قال: حدثنا محمد بن القاسم البلخي، قال: حدثنا ابن المبارك بهذا الإسناد. فيه: أن الإنسان إذا أراد أن يدعو ينبغي أن يقدم التوسل بأسماء الله عز وجل وبصفاته -سبحانه وتعالى-، وبالثناء عليه -جل وعلا-، يقدم الثناء على الله عز وجل، ويتوسل بهذا الثناء في دعائه، ومن هذا الثناء أن يكبر الله عز وجل، ويسبحه، ويحمده، فإنه قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تسبحين الله عشرًا، وتحمدينه عشرًا، وتكبرينه عشرًا، ثم اسألي حاجتك»، ثم ادع الدعاء الذي تريدينه، والحاجة التي تريدينها، فيقول الله عز وجل: «قد فعلت، قد فعلت»، أن يستجيب الله عز وجل لمن فعل ذلك. وهذا حديث عظيم، فيه كما قلنا التوسل إلى الله عز وجل بالثناء عليه -سبحانه وتعالى-. ولهذا في حديث فضالة بن عبيد: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يدعو، فلم يحمد الله عز وجل، ولم يثن عليه، ولم يصل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: عجل هذا، عجل في دعائه». ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل». وهذا أيضًا من العجلة: أنه لا يثني على الله عز وجل في دعائه، ولا يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلهذا يفتقد المسلم في دعائه، وهو الصلة التي بينه وبين الله عز وجل، وينبغي للمؤمن أن يلح في الدعاء إلى الله -سبحانه وتعالى-، لأن الله عز وجل كريم -سبحانه جل وعلا-، فلهذا يحب الملحين في الدعاء، كما جاء في سنن الترمذي، فيقدم العبد بين يدي دعائه لله -جل وعلا- هذا الثناء العظيم، ومنه التسبيح والتكبير والتحميد، فهو مما يرجو منه الإجابة من الله -سبحانه وتعالى-. فهذا ما يدل عليه هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

شاركنا على