الدرس في كتاب الصلاة 27، ألقاها
تناول هذا الفصل آراء أهل العلم حول الجمع بين أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة، واستفتاح صلاة الجنازة والنوافل، مع ذكر أقوال العلماء في ذلك وتخريجهم للأحاديث الواردة في هذا الشأن. كما تطرق إلى الأحكام المتعلقة باستفتاح الصلوات المختلفة.
ناقش هذا الفصل آراء الفقهاء حول حكم تكبيرة الإحرام، حيث ذهب الجمهور إلى أنها ركن من أركان الصلاة، بينما اعتبرها أبو حنيفة شرطًا من شروطها، ورأى الإمام الزهري أنها مستحبة. واستدل الجمهور بأدلة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
تناول هذا الفصل حكم من نسي تكبيرة الإحرام، حيث ذهب الجمهور إلى أنه يستأنف الصلاة من جديد، كما ناقش اللفظ المشروع في التكبير، حيث ذهب الجمهور إلى أنها لا تنعقد إلا بقول: «الله أكبر»، بينما ذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ بأي لفظ فيه تعظيم.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، نذكر بعض المسائل التي لم تذكر في الدرس السابق. أخذنا في الدرس السابق مسألتين في هذا الحديث، والمسألة الثالثة المتعلقة بهذا الحديث: هل يجمع بين أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة؟ هل يجمع بين أدعية الاستفتاح، أي في حديث علي، وفي حديث أبي هريرة، وفي حديث عمر، وفي حديث عائشة، إلى غير ذلك من الأحاديث في أدعية الاستفتاح؟ هل يدعو الإنسان ويجمع هذه الأدعية كلها في الصلاة الواحدة أم ماذا؟ في خلاف بين أهل العلم. فذهب الشافعي إلى استحباب الجمع بين حديث علي الذي «وجهت وجهي» وحديث أبي سعيد وعائشة وعمار في الاستفتاح بالتسبيح: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، ولا إله غيرك». واختاره جماعة من المحققين. وذهب أحمد وإسحاق، وهذا القول الثاني، وذهب أحمد وإسحاق إلى الاستفتاح بحديث عمر، أي بالتسبيح. ففي ذكر التسبيح حديث كان مرة معنا أمس، روي مرفوعًا وموقوفًا. ومن أهل العلم من رجح الوقف، ومنهم من رجح الرفع. منهم من رجح الرفع، ومنهم من رجح الوقف. الإمام مسلم رحمه الله تعالى رواه في صحيحه مرفوعًا، والإمام الدارقطني رحمه الله تعالى رجح فيه الوقف، والعلامة الألباني رحمه الله تعالى نص على الرفع، وقال: وعلى فرضية أنه موقوف، فلو حكم بالرفع. طيب، هذا القول الثاني في المسألة. القول الثالث في المسألة: أنه يتخير من الأدعية دعاء، ولا يجمع بينها في الصلاة الواحدة. وهذا من التنويع في العبادة، أي تارة يقرأ ذكرًا ودعاء، وأخرى دعاء آخر، وهكذا ينوع في العبادة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي اختاره أيضًا تلاميذ العصر الأربعة رحمه الله الجميع، وهو الراجح. لأن الأحاديث التي جاء فيها الذكر تارة جاء فيها ذكر معين، وفي حديث آخر ذكر آخر، وهكذا. فهذا يدل على ماذا؟ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع في أدعية الاستفتاح. المسألة الرابعة المتعلقة بهذا الحديث: هل يستفتح في صلاة الجنازة بدعاء الاستفتاح؟ ذكر العلامة العثيمين رحمه الله في المسألة قولين. قال: والمشهور من المذهب -أي مذهب الحنابلة- أنه لا يستفتح، أي بدعاء الاستفتاح؛ لأنها مبنية على التخفيف، أي صلاة الجنازة مبنية على التخفيف. قال: مما يدل على أن الشارع لاحظ فيها التخفيف. وهذا الأقرب، وهذا هو الأقرب والظاهر أيضًا في الصلوات النوافل، أي في النوافل المطلقة، كذلك لا يقال دعاء الاستفتاح؛ لأن الحديث الذي جاء فيه دعاء الاستفتاح إنما جاء في الفرائض، إلا ما جاء في قيام الليل، ففيه أدعية خاصة. والله أعلى وأعلم. قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يزجد حتى يستوي قائمًا، وإذا رفع رأسه من السجدة لم يزجد حتى يستوي قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم». قوله: «ولم يشخص» بضم الباء، «يشخص» بضم الباء وإسكان الشين المعجمة، ثم كسر الخاء المعجمة، ثم صاد مهملة، أي لم يرفعه بائنًا. ومنه الشاخص للشيء المرتفع. وقوله: «ولم يصوبه» بضم الياء وفتح الصاد المهملة، وكسر الواو المشددة، أي لم يخفضه خفضًا بليغًا. وقولها: «وكان ينهى عن عقبة الشيطان»، «عقبة الشيطان» بضم العين. وذكر العلماء فيها تأويلات، منها أن المراد به الإقعاء المنهي عنه. في هذا الحديث، كما ترون، إخبار من عائشة رضي الله عنها عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها حكت كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرت أنه كان يستفتح الصلاة بالتكبير، أي يبدأ صلاته ويستفتح صلاته بماذا؟ بالتكبير. قالت: «والقراءة بـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». وكان إذا ركع، وقوله: «والقراءة بـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» هذا على الحكاية. قالت: «وكان إذا ركع لم يخص رأسه ولم يصوبه»، أي كانت حال رأسه بين الإشخاص الذي هو ارتفاعه، وبين المطأطأة، فكان وسطًا. فكان وسطًا في حركته أو في مكان رأسه، ليس بالمطاطئ الذي خفضه خفضًا بليغًا، ولا الذي رفعه رفعًا بينًا، بل كان بين ذلك وذاك. وقولها: «وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يزجد حتى يستوي قائمًا»، وهذا يدل على أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مبنية على الطمأنينة. قالت: «وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يزجد حتى يستوي قاعدًا»، وكان يقول في كل ركعتين التحية، أي يقرأ التحية في كل ركعتين، أي من الصلاة التي كانت أكثر من ركعتين. قالت: «وكان يفرش رجله اليسرى» يجعلها مفترشة على الأرض، ويجلس عليها. قالت: «وينصب رجله اليمنى»، تكون الرجل اليمنى منصوبة. «وكان ينهى عن عقبة الشيطان»، وعقبة الشيطان كما ذكر بعض أهل العلم هو أن ينصب إليته بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يده على الأرض كما تفعل الكلاب والسباع. قال رحمه الله تعالى: «وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع»، وهو أن يمد الرجل ذراعيه إلى الأرض فيلصقهما بالأرض. قالت: «وكان يختم الصلاة بالتسليم»، فذكرت عائشة رضي الله عنها أول الصلاة وما يحصل في أثناء الصلاة، وكذلك ذكرت أنه يختم الصلاة ويخرج من الصلاة بماذا؟ بالتسليم. في هذا الحديث عدة مسائل، نذكر منها في هذا اليوم ما تيسر، ونكمل ما تبقى في أيام قادمة بإذن الله عز وجل. فأولى هذه المسائل: حكم تكبيرة الإحرام. حكم تكبيرة الإحرام في خلاف. فذهب الجمهور إلى أنها ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها: حديث المسيء في صلاته، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر». هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. وسيأتي معنا في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله تعالى. وجاء في حديث رفاعة بن رافع أنه قال له: «إنه لا تنعقد الصلاة إلا بقول الله أكبر». وهذا يدل كذلك على أنها ماذا؟ على أن الصلاة لا تنعقد إلا بماذا؟ إلا بتكبيرة الإحرام. فيدل على ماذا؟ على ركنيتها. وهذا الحديث أخرجه بهذا اللفظ الطبراني، وصححه العلامة الألباني. وأيضًا: يستدل بحديث علي بن أبي طالب عند الإمام أبي داود وغيره، وفيه: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى أيضًا. وهو من طريق عبد الله بن محمد، وهو من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ممن اختلف فيه أهل العلم في قبول حديثه وعدم قبول حديثه. والراجح أنه ضعيف. وهذا الذي رجحه شيخنا الوادعي رحمه الله. فالحديث ضعيف بهذا السبب، بسبب هذه العلة المذكورة، بسبب عبد الله بن محمد بن عقيل. القول الثاني في المسألة: مذهب أبي حنيفة. فذهب أبي حنيفة إلى أنها شرط من شروط الصلاة، وليست ركنًا من أركانها، أي أن تكبيرة الإحرام ليست هي جزءًا داخلًا في ماهية الصلاة، وإنما هي خارجة عن الصلاة كالطهارة مثلًا. والقول الثالث: ذهب الإمام الزهري إلى أنها مستحبة. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: لم يقل به أحد غيره، أي لم يقل بهذا القول أحد غيره. قال النووي رحمه الله تعالى: حكاه القاضي عياض رحمه الله وجماعة عن ابن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي، قالوا: إنها سنة، ليس بواجب. وأن الدخول في الصلاة يكفي فيه النية. قال النووي: ولا أظن هذا يصح عن هؤلاء الأعلام مع هذه الأحاديث الصحيحة. وقال الحافظ في الفتح: ونقله غير واحد عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا. وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئه تكبيرة الركوع. والراجح قول الجمهور، لما تقدم. واضح هذه المسألة. جماعة الجمهور يقولون بركنية تكبيرة الإحرام، وأنها جزء في الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها. فمن لم يكبر تكبيرة الإحرام فلا صلاة له. أبو حنيفة يقول كذلك: من لم يكبر تكبيرة الإحرام فصلاته باطلة؛ لأنه ترك شرطًا من شروط الصلاة. ولكن لا يقول بركنية التكبير، ولكن يقول: شرط من شروط الصلاة. فهو موافق للجمهور من حيث الحكم ببطلان صلاة من تركها عمدًا أو سهوًا. ولا يقول بماذا؟ ولا يقول بركنيتها وأنها من ماهية الصلاة. والقول الثالث: وهو محل نظر. هل ثبت عن هؤلاء الأئمة أم لم يثبت؟ إن ثبت فهو قول مرجوح بالأدلة السابقة. وإن لم يثبت، وإنما أرادوا أمرًا آخر كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وقبله الحافظ ابن رجب بن حنبل، وأنهم أرادوا: إنما من أدرك الإمام وهو راكع، من دخل مع الإمام وهو راكع، فكبر ودخل مع الإمام في الركوع، هل تجزئه تلك التكبيرة أم لا؟ قالوا: تجزئه تلك التكبيرة. واضح هذا الأمر أم لا؟ فإذا كان قولهم كذلك فلا إشكال في هذا الأمر. وإنما الإشكال بالقول بأن التكبيرة -تكبيرة الإحرام- ليست بواجبة. وعلى كل، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنها ركن؛ للأدلة المتقدمة في المسألة. والله أعلم. المسألة الثانية المتعلقة بهذا الحديث: حكم من نسي تكبيرة الإحرام. حكم من نسي تكبيرة الإحرام في خلاف. الجمهور على أنه يستأنف الصلاة من جديد؛ لأنها ركن من أركان الصلاة، فلابد أن يأتي به، ولا ينفعه النسيان. والنسيان كما هي القاعدة المعروفة: النسيان في الأوامر يرفع الإثم، ولا يسقط الأمر. والأمر ها هنا كذلك. بخلاف النواهي، فإنه يسقط الإثم، وكذلك يسقط ذلك الأمر المنهي عنه؛ لأن النهي مبني على الترك، بخل، بخلاف الأمر فإنه مبني على ماذا؟ على الفعل. القول الثاني: مذهب الحسن وقتادة والزهري والحكم والأوزاعي -أي أصحاب القول الثالث في المسألة الأولى- ذهب هؤلاء إلى أنه تجزئه تكبيرة الركوع، أي إذا أدرك الإمام راكعًا. وجاء عن الزهري أنه يسقط لسهو، أنه يسقط لسهو. فلو جعل في المسألة قولين: فالصواب قول الجمهور. ولو حقق الأمر، حقق الأمر، فالظاهر أنه لا خلاف بينهم، ولكن في صورة من أدرك الإمام وهو راكع، هل تجزئه التكبيرة -أي التكبيرة التي يكبر بها لآجل أن يدرك الإمام راكعًا- هل تجزئه أم لا؟ فهؤلاء يقولون ماذا؟ تجزئه. والتكبيرة -تكبيرة الركوع- محتملة أن تكون تكبيرة ركوع، ومحتملة أن تكون تكبيرة ماذا؟ إحرام. وأهل العلم يقولون: في مثل هذه الصورة له أن يكبر تكبيرة بنيتين، بنية أن يدخل بهذه التكبيرة تكبيرة إحرام، ومع تكبيرة ماذا؟ الركوع. وتصح صلاته بذلك. فالحاصل: من هذا، على فرض أن في المسألة خلاف، يكون قول الجمهور هو الراجح. وإلا فإن الأمر في المسألة كذلك واضح. المسألة الثالثة كذلك المتعلقة بهذا الحديث: ما هو اللفظ المشروع في التكبير؟ ما هو اللفظ المشروع في التكبير؟ أيضًا فيه خلاف. فذهب الجمهور إلى أنها -أي الصلاة- لا تنعقد إلا بقول: «الله أكبر». واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة، منها: حديث رفاعة بن رافع السالف الذكر، والذي فيه ماذا؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتم صلاة أحدهم من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر». وحديث أبي هريرة مرفوعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر». حديث أبي هريرة: «إذا قال الإمام: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر». رواه الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني. وكذلك حديث أبي حميد الساعدي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر». رواه ابن ماجة، وصححه العلامة الألباني. القول الثاني في المسألة: ذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ بأي لفظ فيه تعظيم، كأن يقول مثلًا: «الله أعظم، الله أجل». ولم يجز أن يقول القائل: «الله أعلم»؛ قال: إنه ليس في تعظيم. القول الثالث في المسألة: قول الإمام الشافعي، قال رحمه الله تعالى: إنه يجوز أن يكبر بأي لفظ فيه تكبير، بأي لفظ فيه تكبير. يعني: تقول مثلًا: «الله أكبر، اللهم الأكبر»، أو تقول: «الله كبير». وهذا القول نصره ابن حزم، وقال أيضًا: ويجوز أن يقال: «والأكبر الله». الشافعي يقول: تقول: «الله الأكبر». ابن حزم قال: ويجوز أن تقول أيضًا: «الأكبر الله، والكبير الله، والرحمن أكبر». واضح. والصحيح: قول الجمهور. الأدلة السابقة. وقد قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسمًا من أسماء الله، ولم يكبرهم، لم يجزهم. وهذا هو الصحيح، والذي عليه علماؤنا المعاصرون أيضًا. رحم الله تعالى الجميع. وإلى هنا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ﴾.