الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينقسم نزول القرآن إلى ابتدائي وسببي، حيث يشمل النزول السببي أسبابًا مثل السؤال والحادثة. هناك ثلاثة أسباب رئيسية لنزول القرآن وهي: السؤال، الحادثة، وفعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه.
معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية تؤدي إلى فهم الآيات بشكل صحيح وتفسيرها بشكل دقيق، وتبين عناية الله برسوله وعباده. كما أنها تنفي سوء الفهم أو التأويل الخاطئ للآيات.
من فوائد معرفة أسباب النزول: بيان أن القرآن نزل من الله تعالى، وفهم الآيات على الوجه الصحيح. يُستدل على ذلك بمثال آية الصفا والمروة، حيث أوضحت قصة نزولها المقصود الحقيقي من الآية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "أصول في التفسير": قال نزول القرآن ابتدائي وسببي، وهذا مبحث من المباحث المهمة المتعلقة بأصول التفسير. قال رحمه الله تعالى: ينقسم نزول القرآن إلى قسمين، وهذه القسمة من المؤلف رحمه الله تعالى القسمة الثنائية هي قسمة صحيحة لا غبار عليها. وقد سار العلماء قديما وحديثا على هذه القسمة، بأن نزول القرآن ينقسم إلى قسمين: ابتدائي وسببي. قال رحمه الله تعالى: القسم الأول ابتدائي، وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه. هذا هو التعريف. غاية النزول الابتدائي هو ما عرفه المؤلف رحمه الله تعالى: ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه. فإذا وجدت آيات من كتاب الله جل وعلا لم يكن لنزولها سبب، فيسمى هذا نزولا ابتدائيا. قال رحمه الله تعالى: وهو غالب آيات القرآن. أكثر القرآن من هذا الباب، ليس له سبب معين نزل من أجله، وإنما غالب ما ينزل القرآن للتعليم ولبيان الأحكام الشرعية. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾، فإنها نزلت ابتداء في بيان حال بعض ن المنافقين. فهذه الآية مما تجعل من القسم الأول، مما كان نزولها ابتدائيا، أي ليس لها سبب أو ليست لها قصة نزول، وإنما نزلت في بيان حال أهل النفاق. قال رحمه الله تعالى: وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، فضعيف لا صحة له. وهذه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة المتعلقة بهذه الآية، إذ أن جماعة من المفسرين جعلوا أن لهذه الآية سببا من أسباب النزول، فجعلوه من قسم الثاني. قال: وهذه القصة لا بأس أن نأتيها بجملة، لأن لربما قد سمعها بعض الناس، وخاصة كما قال المؤلف: الكثير من المفسرين من أدخلوها في كتبهم وجعلوها سببا من أسباب نزول هذه الآية. وهذه القصة مدارها جاءت من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، مفاد القصة أن ثعلبة الصحابي رضي الله تعالى عنه ذهب إلى نبينا وطلب من رسول الله أن يدعو له بكثرة المال، فنهاه نبينا عن ذلك، إلا أنه ألح، فما كان من أمر نبينا إلا أن دعا له بكثرة المال. فكان الأمر كما كان أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فكان ثعلبة عنده غنم فنمى غنمه كما ينمو الدود، لكثرته. كثرة المال وكثرة الغنم عنده حتى أنه اضطر إلى أن يخرج إلى خارج المدينة لكثرة المواشي التي عنده من الأغنام. وما يهبرها من الزمن حتى انشغل بماله، فإذا به يضيع بعض الصلوات، ثم وصل به الأمر إلى أن ترك الجمعة. ولم يقتصر أمره على ترك الصلاة، بل إن نبينا أرسل من أرسل من السعاة لكي يجمع أموال الزكاة، فكان من أمر ثعلبة أن أنكر الزكاة وجحد الزكاة وما أدى الزكاة، بل جاء في الرواية سماها جزية. قال: ما هذه زكاة، بل هذه جزية. كيف تؤخذ من غير حلها؟ كما جاء في الرواية. ثم بعد ذلك أنزل رب هذه الآيات: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾، لأن في تمام القصة أن النبي لما زجر ثعلبة عن هذا الدعاء، وأقسم أنه إن آتاه الله لن يضيع شيئا من حق الله، أقسم بهذا. ونزلت هذه الآيات: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾، إلا أنه ما وفى بعهد الله، بل ترك الصلاة وضيعها، ومن ثم أنكر الزكاة وما أدىها. ثم بعد ذلك علم بفداحة أمره، فذهب بالزكاة إلى رسول الله فلم يقبلها منه عليه الصلاة والسلام. ثم جاءت خلافة الصديق فأعطاها للصديق فلم يقبلها منه، ثم جاءت خلافة عمر بالمثل، ثم خلافة عثمان كذلك بالمثل. هذه القصة طويلة، طبعا لها سجع ولها سياق وسباق. هذه الآية ضعيفة، هذا سبب النزول ضعيف لم يصح، لما في ذلك طعن أولا في عرض الصحابي، فعل من خيرة الصحابي، يكفيه أنه شهد بدرا رضي الله تعالى عنه. وهذه القصة التي يدلي بها الكثير من الوعاظ، وكذلك بعض المفسرين لم تصح، لأن فيها كما قال العلماء: مدارها على الألهاني، وهو علي بن يزيد الألهاني، وهذا الرجل متروك. وأيضا هو جاء من طريق معان بن رفاعة، وهو لين الحديث. فذكر ابن حجر رحمه الله تعالى في "الكشاف" قال: وإسناده ضعيف جدا. والحافظ أورد هذا الحديث وحكم عليه بالضعف الشديد. وهكذا العراقي قال: سنده ضعيف. وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى قال: هذا حديث منكر على شهرته، حديث منكر على شهرته. إذا لا يصح، وأظن أن هناك بعض العلماء من المعاصرين ممن ألف رسالة متعلقة بالذب عن عرض هذا الصحابي وفند القصة وطولها، وأنها لا تصح، وأنها لا تصح. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من أن هذه الآية: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله﴾ هي آية صحيحة من السبب النزول الابتدائي، نزول ابتدائي لم يكن لسبب ولم يكن بقصة نزلت من أجلها. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني سببي. وهذا القسم الثاني، إذن علمنا أن نزول آيات القرآن منها ما يكون ابتدائيا، معنى ابتدائيا: لم يكن هناك سبب يقتضيه. والسبب: الأمر الثاني ما يكون سببيا، وضابطه: قال: وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه. فإذا رأيت أن آية من آيات القرآن نزلت لأجل سبب، فتكون هذه الآية تسمى ماذا؟ نزولها سببي، نزولها سببي، لأن هناك سببا اقتضى نزول هذه الآية. قال رحمه الله تعالى: والسبب: طيب. قلنا هنا: إذن السبب هو أن الآية القرآن تنزل من أجل سبب. بقى: ما هو السبب؟ ما هو السبب الذي من أجله تنزل آيات القرآن؟ هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر ثلاثة أسباب. قال: الأول: إما سؤال يجيب الله عنه، مثل: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج، إذن فربنا سبحانه وتعالى أنزل هذه الآيات لسؤال، لسؤال وجه للنبي عليه الصلاة والسلام. يسألونك، فأنزل ربنا سبحانه وتعالى هذه الآيات، إذن هذه الآيات نزلت لسبب، ما هو السبب؟ سؤال. سؤال طرح ووجه إلى نبينا فأنزل ربنا هذه الآيات. قال: باء: وهو الثاني: أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير، مثل: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ الآيتين، نزلت في رجل من المنافقين. قال في غزوة تبوك في مجلس ما: "رأينا مثل قرائن هؤلاء أرغب بطون ولا أكذب ألسن ولا أجبن عند اللقاء" -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه- فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، فجاء الرجل يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبه: "بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون". هذا الحديث كذلك في بيان أن حادثة وقعت في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، ويا عندما اجتمع هؤلاء النفر من الناس فأخذوا يلوكون أعراض الرسول وأعراض الصحابة كذلك، ويرمونهم بهذه التهم استخفافا واحتقارا، وأيضا لما في قلوبهم رموهم بالجبن ورموهم بالخوف ورموهم كذلك بملء البطون. فأنزل ربنا جل وعلا تلكم الآيات التي أوضحت أنهم قد كفروا بالله، وفي ذلك بيان على أن المسلم إذا ابتلي ببعض المجالس التي فيها التطاول على الدين وعلى رسوله وعلى آيات القرآن وعلى الشريعة، فما ينبغي أن تبقى فيها، إما أن تغير إن كان عندك قدرة، أو تنكر إن كان عندك حجة. فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، فلا أقل يا عبد الله إلا أن تخرج ولا تبقى معهم، لا تبقى معهم. وإنما تخرج حتى لا يشملك الإثم وتشملك العقوبة كما في ذاك الجيش الذي خرج فيخصف بأولهم وآخرهم، فشمل الجميع لأنهم دخلوا في بيئة ما ينبغي أن يبقوا فيها. وهكذا في هذا المجلس، فإن هذا الصحابي الجليل عندما سمع ما سمع خرج وما جلس معهم، وإنما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك. فإذا سبب واقعة تقع فينزل ربنا جل وعلا آيات يبين حال هذه الواقعة، فهذا من السبب الثاني من أسباب النزول. قال رحمه الله تعالى: أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه، مثل: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾، فهذه قصة كذلك قصة خولة بنت ثعلبة، عندما شكت لنبينا ما كان من أمر زوجها وهو أوس بن الصامت رضي الله تعالى عنه. فهذه كذلك من أسباب النزول، واقعة وقعت فأنزل ربنا الآيات، هذه الآيات من أجل هذه الواقعة. والسبب الثالث: لو تلاحظون أنه يندرج تحت كثير من العلماء، الكثير من أهل العلم إنما يكتبون الأمران الأول والثاني، أن السبب الذي من أجله ينزل القرآن إما من أجل سؤال أو حادثة فقط. إما سؤال أو حادثة: سؤال يوجه لنبينا فتنزل الآيات مجيبة على هذا السؤال، أو حادثة تقع فينزل ربنا بيان هذه الحادثة، فهذه الحادثة قد تكون تحذيرا وبيانا، وقد تكون معرفة حكما. لكن المؤلف رحمه الله تعالى أضاف الثالث، ولو تلاحظ أن الثالث يندرج تحت الأمر الثاني. ولهذا الكثير من العلماء ما يذكره، وإنما يكتفون بالأمر الأول والثاني. يقول إمام الجعبري رحمه الله تعالى: "قال: ونزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال". فهذا السببي ينحصر بين سؤال سؤال وطرح، وبين واقعة وقعت وحدثت فيأتي القرآن فينزل آيات لبيانها ولأمرها ولشأنها. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بأسباب النزول وتعريف ما يتعلق بتعريفه. والعلماء قد اعتنوا بهذا القسم، القسم الثاني ما يتعلق بأسباب النزول، اعتناء عظيما. ولأدل من شدة اعتنائهم لهذا الباب: تلكم الكتب التي ألفها من ألف من علمائنا المتعلقة بهذا الباب. فقد ألف العلماء: الواحدي رحمه الله تعالى مؤلفا خاصا باسم "أسباب النزول". ثم جاء الجعبري رحمه الله تعالى واختصر هذا الكتاب. وهكذا الحافظ ابن حجر له رسالة، وهكذا السيوطي رحمه الله تعالى له رسالة. وهكذا في زمن المعاصر قام جماعة من العلماء بتأليف رسالة خاصة بأسباب النزول. ومن رسالة شيخنا مقبل رحمه الله تعالى: "الصحيح المسند من أسباب النزول". فأسباب النزول من الأبواب المهمة التي اعتنى بها العلماء. وعلمنا يا إخواني في الله أن سبب النزول إما أن يكون السبب عبارة عن سؤال طرح، وإما أن يكون ماذا؟ عن حادثة وقعت فينزل القرآن لبيانها ولما يتعلق بها. وهذا الأصل، وأيضا هناك أمر نبّه عليه فيما سبب النزول: أن هذا السؤال وهذه الحادثة ستكون قد وقعت في زمنه عليه الصلاة والسلام، وقعت في زمنه حتى تنزل حتى تنزل الآيات لبيان الحكم، إما لمعرفة الجواب أو لمعرفة الحكم. فمن الأخطاء التي قد وقع فيها جماعة من المفسرين والعلماء: أنهم لربما يأتون إلى أخبار ماضية، إلى أخبار ماضية في أمم غابرة وقعت في تلكم الأزمان، ويأتون ثم إلى سورة من سور القرآن نزلت في عهد رسول الله، ويقولون: هذه السورة نزلت من أجل تلكم الواقعة، هذا بعيد جدا. وقد وقع هذا مثل الإمام الواحدي رحمه الله تعالى في "أسباب النزول" عندما ذكر سورة الفيل: نزلت في زمن نبينا، ذكر أن من سبب نزول هذه الآيات: حادثة الفيل، بعيد جدا ما يمكن هذا ما يمكن. ولهذا انتقده العلماء انتقده العلماء على هذا المأخذ. ما يمكن لهذا؛ لأن من شرط السبب النزول: أن ينزل هذا السبب لسؤال وجه لنبينا، أو لحادثة وقعت في زمنه عليه الصلاة والسلام، ثم ينزل القرآن لبيان هذا. أما أنك تأتي إلى أشياء قديمة ثم تنزل القرآن الذي جاء متأخرا ثم تقول: القرآن نزل هنا لتلك الحادثة قبل مئات السنين، هذا بعيد. هذا بعيد، وقد مثل العلماء هذا المسألة الذي وقع فيها الواحدي رحمه الله تعالى، إذا علق أن سبب نزول آية سورة الفيل من أجل حادثة الفيل، وهذا بعيد. ولهذا يقول السيوطي رحمه الله تعالى معلقا على ما ذكره الواحدي: "فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء". بل هو من باب الإخبار فقط، هذه الآيات تخبر عن ما جرى. مثل الآيات في القرآن يخبر ربنا ما وقع بين موسى وفرعون، بين عيسى مع بني إسرائيل، قوم نوح مع قومه، قصص السيرة تأتينا أخبار تأتينا ما وقع من أمم، هذه كلها أخبار أخبار عن أمم ماضية. أم نجعلها سببا من أسباب النزول؟ لا، لا تجعل ذلك سببا من أسباب النزول. ولهذا بعض العلماء يعرف سبب النزول حتى يخرج هذه الإشكالات، بعضهم عرف سبب النزول بقوله: "هو ما نزل القرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال". حادثة أو سؤال، قال: "وما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه". وتلاحظون: السبب حادثة أو سؤال. الغالب العلماء يسيرون على هذا من أسباب الذي من أجلها نزل القرآن: إما يكون سببا عبارة عن سؤال طرح، أو حادثة وقعت. قال رحمه الله تعالى: فوائد معرفة أسباب النزول، معرفة أسباب النزول مهمة جدا؛ لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة. وهذا فصل طبعا مهم، باب مهم. وهي أن أسباب النزول لها فوائد. وفي هذا رد على بعض العلماء ممن يقولون: أن هذا الباب باب ما يسمى بأسباب النزول، بعضهم يقول: هذا الباب ما ينفع، ليس من العلم. وأن هذا الباب حقه يكون في السيرة، في السيرة: يعني نبينا كان في حالة فنزلت عليه هذه الآية، وكان في سفر فنزلت لهذه الآية، وكان في غزوة كذا آية كذا. قال: هذا في سيرته، ما يتعلق بسيرته، ما يتعلق بعلوم القرآن. حتى قال من قال: وهذا أمر عظيم، قال: هذا الباب مبحث لا طائل تحته، بل تضيع الوقت لو قاتل فيه. أعوذ بالله ما يقول هذا، ما يقال هذا. نعم، صرح به بعض الناس، ما يصح هذا، ما يقال أن هذا الباب ليس فيه فائدة، بل يقول: حتى ولو سلمنا مثلا جدلا، يقول: أن هذا لا علاقة له بعلوم القرآن، بل هذا من السيرة. طوال تظنوا في السيرة: السيرة عبارة عن قصص تتلو فقط. أليست سيرة الرسول عبارة عن علم؟ ألا تستخرج منه العبر والفوائد والمسائل؟ أما تضيع ما فعل؟ رحمه الله تعالى عندما استنتج مئات الفوائد الفقهية والعقدية والمنهاجية والأخلاقية، كل ذلك من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام. أليست سيرة الرسول عبارة عن اتباع واقتداء به عليه الصلاة والسلام؟ فإخواني في الله، فمن أنصف هذا الباب يعلم أن هذا الباب فيه فوائد كثيرة. ولهذا كأن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يرد على هؤلاء، فذكر هذا المبحث: مبحث أن معرفة هذا الباب: معرفة أسباب النزول لها فوائد. ولهذا قال: بل فوائد كثيرة، حتى أن المؤلف رحمه الله تعالى ما حصرها، وإنما ذكر أهم الفوائد المستفادة من أسباب النزول. فقال رحمه الله تعالى: معرفة أسباب النزول مهمة جدا؛ لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة، منها واحد: بيان أن القرآن نزل من الله تعالى. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الشيء فيتوقف عن الجواب أحيانا حتى ينزل عليه الوحي، أو يخفى عليه الأمر الواقع فينزل الوحي مبينا له. إذن هذا أعظم دلالة تستفاد من أسباب النزول: أن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى. وأن الله يوحي لنبيه عليه الصلاة والسلام ما يزيل عنه اللبس الذي يواجه نبينا من خلال أسئلة الناس أو من خلال الحوادث التي تقع في زمنه. قال: مثال الأول: وذلك عند أسئلة تطرح وليس عنده جواب فينزل الوحي. قال: قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيت من العلم إلا قليلا﴾، قال: ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رجلا من اليهود قال: "يا أبا القاسم ما الروح؟" فسكت، وفي لفظ: "فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ الآية". إذن هذه دلالة على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمد نبينا بهذا الوحي. قال: ومثال الثاني: هو ما يتعلق بخفاء الحكم، قوله تعالى: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، قال: ففي صحيح البخاري: أن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه سمع عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- يقول ذلك. يريد أنه الأعز ورسول الله وأصحابه الأذل، فأخبر زيد عمه بذلك، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فأخبره بما سمع، ثم أرسل إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية، فاستبان الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أي: هذه مسألة أمرها خفي على نبينا، خفي على نبينا؛ إذ أن زيدا يخبر أنه قد سمع، وهؤلاء يحلفون بالله أنهم ما قالوا، فكيف يحكم نبينا؟ فخفي الأمر عن نبينا، فأنزل ربنا هذه الآيات. فهذه الآيات كانت سببا لحادثة وقعت، فكان ذلك فيه بيان على أن القرآن أن النبي يتنزل عليه الوحي من ربه سبحانه وتعالى، وأن القرآن ما هو إلا وحي من رب العالمين. قال: ثانيا: من فوائد معرفة أسباب النزول: بيان عناية الله تعالى برسوله في الدفاع عنه. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾، وكذلك آيات الإفك، فإنه دفاع عن فراش النبي صلى الله عليه وسلم وتطهير له عما دنسه به الأفاكون. أي: هذا من ثمرات أسباب النزول: عناية الرب بنبينا عليه الصلاة والسلام. فإن الله قد تكفل بالدفاع والمنافحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام عما يرميه به المبطلون من التهم، سواء كان في عقله أو في دينه أو في أهله أو في عرضه. فكان الله سبحانه وتعالى ينزل الآيات لهذه الأسباب دفاعا عن نبينا عليه الصلاة والسلام. ثلاثة: بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم. وهذا كذلك من ثمرات أسباب النزول. مثال ذلك: آية التيمم، ففي صحيح البخاري: أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله تعالى عنها وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره. فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه، وأقام الناس على غير ما فشكوا ذلك إلى أبي بكر، فذكر الحديث، وفيه: فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أوس بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر". والحديث في البخاري مطولا. إذن فيه بيان لسبب نزول آية التيمم، فكان ما وقع للصحابة عندما وقعوا في استر احتهم في السفر، حين تأخروا في طلب عقد عائشة رضي الله تعالى عنها، فحتى دخل عليهم وقت الصلاة ولا ماء، وما كان عندهم ماء، وما شرع التيمم حينها. فأنزل ربنا سبحانه وتعالى آيات التيمم، فعندما تقرأ هذه الآية تقرأها ثم تعلقها بسبب النزول، تظهر لك: أن كان هذا السبب من أسباب الذي ماذا؟ فيه تفريج لكربات وقعت على الناس، وقعت على الناس. وهكذا في موضوع ذاك الرجل الذي جاء لنبينا ورمى امرأته بأنها تأتي رجلا غيره، فالنبي أمره إما باللعان أو حد في ظهرك، وكانت أمرا عظيما، وعنده قد رأى ذلك، لكن ما عنده الشهود، فوقع فيه من الهم، فأنزل ربنا آية الملاعنة. فكان هذه الآية من أسباب نزولها: تفريج كربات وقعت على عباد الله من المؤمنين. فهذه من أسباب من ثمرات أسباب النزول. قال رحمه الله تعالى: فهم الآية على الوجه الصحيح. وهذه المسألة الرابعة، وهي تعتبر من أعظم فوائد ثمرة معرفة أسباب النزول. لو لم يكن في هذا الباب من ثمرة أسباب النزول إلا هذه الفقرة لكفى. معرفة سبب نزول الآية مما يعين الناظر في الآية إلى أن يفهمها على حق الفهم. تجل أمامك، تظهر أمامك، تفهم الآية الفهم الصحيح. وأما أنك تنقطع من بعض الناس قد يقرأ الآية فيفهمها على فهم غير صحيح. يقولك: إيش معنى هذه الآية؟ إيش معنى هذه الآية؟ لكن إذا نظر إلى سبب النزول سيزال عنه اللبس. وعلى هذا قال العلماء: كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "قال: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية". وهكذا مثله ما ذكره ابن عطية رحمه الله تعالى. قال: "سبب النزول طريق قوي في فهم القرآن". قال رحمه الله تعالى: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم القرآن، من أقوى الطرق المؤدية إلى فهم القرآن الفهم الصحيح". أنك تتأمل في سبب نزول هذه الآية. وهكذا قال الواحدي رحمه الله تعالى: "قال: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها". لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. حاول يا عبد الله أنك تنظر حتى تربط بالمعنى الصحيح، قد يكون ظاهر الآية لا يكون متبادرا للذهن إلا بالرجوع إلى سبب النزول أو القصة. قال رحمه الله تعالى: مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. هنا الطواف بمعنى السعي. طيب، قال: أن يسعى بينهما. فإن ظاهر قوله: ﴿فلا جناح عليه﴾ أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح. هذه الآية مع مشكلة على بعض الناس، بعض الناس يدرس الفقه يعلم أن الطواف بين الصفا والمروة من أركان الحج والعمرة، ما يمكن ما تصح، لا يصح الحج والعمرة إلا بأدائهما. فلما يقرأ هذه الآية: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت واعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، طيب كيف هذا؟ ربنا يقول: لا جناح، يعني أنا الجناح كلمة عند أهل الأصول من عبارات الإباحة، كلمة برفع الحرج، رفع لا جناح، لا جناح مما يشعر أنك بالإباحة. إن طفت وسعيت بين الصفا والمروة فذاك، وإن لم تسع فلغباض عليك، هذا نص القرآن. وكيف يدرس في كتب الفقه: بينه ركن من أركان الحج والعمرة؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: وفي صحيح البخاري عن عاصم بن سليمان قال: "سألت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن الصفا والمروة؟ قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية". فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ إلى قوله: ﴿أن يطوف بهما﴾. وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه، حيث كان يرون أنهما من أمر الجاهلية. أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾، أي: معنى هذا أن إيش معنى: ﴿لا جناح أن يطوف بهما﴾؟ معنى هذا: هذا كان متعلقا بأمر الجاهلية، كان الأنصار مثلا كانوا يهلون لمناة -لصنم- يهلون لمناة، وكان من أركان الإهلال لمناة أن يطوفوا بين المروة والصفا، يسعون بين الصفا والمروة. يرون أن هذا من تمام الإهلال لمناة، فلما جاء الإسلام هؤلاء ظنوا أن السعي هذا من أمر الجاهلية، فتركوه، نطوف بالبيت ولا نسعى بين الصفا والمروة، لماذا؟ ظنا منهم أن هذا السعي ما هو من فعل أمر الجاهلية، فترك، فأنزل ربنا جل وعلا هذه الآيات: أنه لا بأس أن تطوفوا. إذن هنا لا حرج، ليس المعنى لا حرج أو لا جناح بأن في حكم السعي لا، وإنما لا حرج فيما غرز في قلوبكم ما كان من نفوسكم أن هذا حرج من أنك تسعى، لا حرج في هذا الباب، بل افعلوا هذا، بل افعلوا هذا. فانظر يا عبد الله كيف علمنا ذلك؟ بسبب النزول، سبب النزول علمنا ما معنى هذه الآيات: أن الله إنما أراد نفي الحرج ونفي الجناح الذي وقع في أذهان الناس حينها عندما أمسكوا عن السعي، ظنا منهم أن ذلك من شعائر أهل الجاهلية. فأنزل آيات التي فيها نفي الحرج، لا بيان الحكم، بل حكم السعي قد جاء كما في الدلالة الكثيرة: أنه ركن من أركان الحج. فهذه إخواني في الله من أهم الأسباب المذكورة في هذا الفصل، كذلك بعض منها في دروس قادمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.