الدرس في كتاب الصلاة 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اتفق جمهور العلماء على أن هناك خمسة أوقات منهي عن الصلاة فيها، وهي بعد الفجر، وعند طلوع الشمس، وعند الاستواء، وعند غروب الشمس، وبعد العصر إلى غروب الشمس. اختلف العلماء في عدد هذه الأوقات وتحديدها.
يتناول المقطع أوقات النهي عن الصلاة كما وردت في الأحاديث النبوية، ويعرض اختلاف العلماء في حكم هذه الأوقات، حيث يرى الظاهرية أنها منسوخة بينما يرى آخرون جواز الصلاة بعد العصر لسبب أو بدون سبب.
يتناول المقطع تفسير الأحاديث النبوية المتعلقة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، ويجمع بين الروايات المختلفة، ويوضح أن النهي يخفف بعد العصر، ويشير إلى أن الأوقات الثلاثة التي فيها تشديد هي عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند الاستواء.
نهي عن الصلاة في أوقات معينة، إما نهي كراهة مثل بعد الفجر والعصر، وإما نهي تحريم في أوقات أخرى. هذه الأحكام مبنية على فهم الأحاديث النبوية وتفسيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال مؤلف كتاب «الصلاة والحكم» رحمه الله تعالى: فصل في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. قال: وهي خمسة عند الثلاثة، وقال مالك: أربعة. ويُبعد صلاة الصبح والعصر عند طلوع الشمس واستوائها وعند الغروب. وقال مالك: يجوز عند الاستواء. فهذا في النهي عن الأوقات أو عن أوقات معينة. وقد اتفق العلماء -أو بعضهم- على أن هناك أوقاتًا منهيًا عن الصلاة فيها، ولكن اختلفوا في عدد هذه الأوقات وتحديدها. فاتفق جمهور العلماء على خمسة أوقات: بعد الفجر، وعند طلوع الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح، وعند الاستواء، وعند غروب الشمس، أو عند بعد العصر إلى غروب الشمس. هذه خمسة. ومنهم من يجعلها ثلاثة. الأمر سهل، أن بعضهم يجعل من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قدر رمح، ويجعل بعد العصر إلى غروب الشمس واحدة. هذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فقط في العد. وأما مالك، فيرى أن هذه الأوقات الخمسة إلا وقت الظهر عندما يقوم قائم ظهيرة، فهذا لا يعتبره من أوقات النهي. وقد جاءت تحديدات كثيرة في هذه الأوقات الخمسة. وهناك قول للظاهرية يخالفون فيه الأئمة كلهم، فيقولون: إن الأوقات هذه منسوخة، النهي عن الأوقات منسوخة. معنى ذلك أنه لا شيء منهي عنه عندهم. وهذا قول بعيد جدًا. جاءت أدلة كثيرة في هذه الأوقات. من الأدلة ما جاء في الصحيحين: حديث ابن عباس أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر. أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس». وأيضًا حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: «لا صلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس». ومما جاء أيضًا في الأوقات الأخرى الثلاثة خاصة: عند طلوع الشمس، وعند الاستواء، وعند الغروب، حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم: أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن ثلاث ساعات أن نصلي فيهن، أو أن نقبر موتانا: عند طلوع الشمس حتى تطلع قدر رمح، وعندما يستوي قائم الظهيرة...». ومعنى يستوي قائم الظهيرة: أنه إذا لم يكن له ظل لا في المغرب ولا في المشرق إلا ما كان من في الزوال، أي الظل الذي يبقى بعد تناهي الطول. فهذا يسمونه في الزوال. فالمهم أن متى يكون قائم الظهيرة؟ أي: قيل قائم الظهيرة لأنه قائم وليس له ظل لا في اتجاه الغرب ولا في اتجاه الشرق. فهذه الأوقات الثلاثة جاءت في حديث عقبة، وحديث عمر بن عبسة بالنهي عن الصلاة عند استواء الشمس. وجاء في حديث عمر بن عبسة: «وحينئذ تسجر جهنم»، أي: تشتد حرارتها. فهذه الخمسة الأوقات جاءت فيها الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفيها خلاف أهل العلم. قلنا: إن هناك من العلماء من خالف في بعض هذه الأوقات. أما الظاهرية، فهم يقولون: كلها منسوخة. وهذا قول غير صحيح. وأيدهم على ذلك ابن حزم. واستثنى بعض العلماء العصر، فجاء عن السلف أنهم يستثنون العصر. ولهذا جاز الركوع بعد العصر. جاء ذلك عن علي بن أبي طالب، وكان يركع بعد العصر. وجاء ذلك عن عائشة، وعن عبد الله بن الزبير، وابنه عبد الله، وعن تميم الداري، ونعمان بن بشير، وعن أبي أيوب الأنصاري، وجماعة من الصحابة. جاء عنهم أنهم يركعون بعد العصر. وقد يكون هذا فعلهم لأنهم رأوا النبي عليه الصلاة والسلام كان يركع بعد العصر. وأيضًا اختلفت الأحاديث عن عائشة وأم سلمة في ركوع النبي عليه الصلاة والسلام بعد العصر: هل هو لسبب أم أنه كان دائمًا؟ والذي جمع به العلماء -كالحافظ بن رجب- وأيضًا: ينحو نحوه ظاهر كلام الحافظ بن حجر، وأيضًا هو قول شيخ الإسلام: أن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بعد العصر كانت لسبب. وهو ما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على أم سلمة بعد صلاة العصر، فصلى ركعتين. وكانت أم سلمة عندها امرأة، فأرسلت جاريتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن تسأله عن هاتين الركعتين. فلما رأته أرسلت الجارية تسأله، فقال: «يا بنت أبي أمية، إنما جاءني ضياف، فأشغلوني عن ركعتين بعد الظهر، فصليتهما الآن». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في بعض الروايات: أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: «سلوا أم سلمة عن هاتين الركعتين». وقد جاء في الصحيحين: أن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد العصر ركعتين». وكان صلى الله عليه وسلم إذا فعل أو عمل عملًا أثبته. والجمع بين الروايتين: يقال إن عائشة رضي الله عنها عرفت مبدأ هاتين الركعتين من أم سلمة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لما صلاهما، فإنه استمر على صلاته. وهذا يدل على تخفيف النهي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة في هذا الوقت، وفعله هذا يدل على أن النهي للكراهة وليس للتحريم. وجاء حديث آخر يدل على أن النهي ليس بعد العصر مباشرة، وهو حديث علي الذي أخرجه النسائي وأحمد وغيرهما: أنه قال: «لا صلاة بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء». معناه: النهي بعد اصفرار الشمس. نهي بعد اصفرار الشمس. لكن هذا الحديث هو حديث حسن. وأحسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. لكن هذا لا يدفع كثرة الأحاديث في النهي عن الصلاة بعد العصر. إما أن يقال: إن هذا النهي خاص بالاصفرار عند اصفرار الشمس. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تصفر الشمس». فدل على أنه بعد اصفرار الشمس منهي عن الصلاة في ذلك الوقت، ويكون وقت اضطرار. فهذا النهي إنما هو نهي عن الصلاة أن تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت. وإن حمل على الركعتين، يقال أيضًا: من باب هذا النهي من باب الكراهة، ويحمل ذاك على الجواز. وخلاصة الأمر: أن يقال إن النهي في هذه الأوقات الخمسة كلها، لكن يخفف بعد الفجر وبعد العصر؛ لأنه قد جاءت أحاديث تجيز النبي عليه الصلاة والسلام فيها الصلاة بعد العصر، وكذلك جاز فيها بعد الفجر لمن ترك ركعتي الفجر وصلاهما بعد الصلاة. وأما الأوقات الثلاثة التي فيها تشديد، فلم يأت فيها الترخيص: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند الاستواء. فهذه الأوقات الثلاثة يكون النهي فيها أشد. وهذا الذي جنح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض المحققين أيضًا. وهو أيضًا ظاهر كلام الحافظ بن رجب رحمه الله عليهم. وأما مسألة استثناء الشافعي رحمه الله يوم الجمعة عند الاستواء، يراه أنه ليس وقت نهي. وأما مالك، فاستثناه مطلقًا. مالك يستثني وقت الاستواء مطلقًا أنه جائز. وخلاصة الكلام: أن هذه الأوقات الخمسة منهي عن الصلاة فيها، إما نهي كراهة وإما نهي تحريم. فيقال: بعد الفجر والعصر نهي كراهة. وفي الأوقات الثلاثة الأخرى نهي تحريم. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.