التعليق على كشف الشبهات 12

الدرس في التعليق على كشف الشبهات 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تجديد دين إبراهيم عليه السلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم لتجديد دين إبراهيم عليه السلام لقريش، وكانوا على دين إبراهيم ولكن مع إضافة الشرك بالله. أمر الله النبي باتباع ملة إبراهيم الحنيف.

مصير أهل الجاهلية وأهل الفترة يوم القيامة

أهل الجاهلية سيؤاخذون بفعلهم يوم القيامة، بينما مصير أهل الفترة مختلف حيث لم يبلغهم الرسول ولم يكونوا على دين معين. بعض أهل العلم ينكر وجود أهل الفترة مستدلاً بآيات قرآنية.

شرح حديث الأسود بن سريع وتوضيح موقف أهل الجاهلية

حديث الأسود بن سريع يبين أربعة يمتحنون يوم القيامة، ويتناول الخلاف حول تصنيف أهل الجاهلية كأهل فترة، والأصح أنهم كانوا على دين إبراهيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم صلاة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، قال: «بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيه إبراهيم عليه السلام، ويفكرهم أن هذا الدين والاعتقاد حق الله، لا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما». فقول مؤلفنا: «بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيه إبراهيم»، كما تقدم أنهم كانوا على دين إبراهيم، كانت لهم عبادات، أي كفار قريش، كفار مكة كانت لهم عبادات، يصلون ويحجون ويعتمرون، وكذلك يتصدقون ويعتقون، وغيرها من العبادات، إلا أنهم كانوا يجعلون وسائط مع الله، كانوا يجعلون هذه الأصنام تشفع، ويظنون أنها تشفع لهم يوم القيامة. ولهذا ربنا جل وعلا رد الشفاعة على المشركين، وأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وقال جل وعلا: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَهْدُونَ سَبِيلًا﴾، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، فهذه الآيات كما قال الإمام ابن القيم قطعت حجة الشفع، وهو أنهم كانوا يظنون أن هؤلاء شفعاء يتقربون بهم إلى الله، فنفى الله وجود أن يكون هؤلاء شفعاء، ونفى أن تنفع شفاعة الشافعين، فقال المؤلف: «بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيه إبراهيم»، وهذا يدل على أنهم كانوا على دين، ليسوا هم من أهل الفترة. بهذا القول الصحيح الذي رجحه جماعة من العلماء، شيخ الإسلام ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم، أن قريشا لم يكونوا من أهل الفترة، وإنما كانوا على دين عندهم دين إبراهيم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: «أين أبي يا رسول الله؟ قال: في النار. قال: في النار لماذا؟ قال: لو كانوا في الفترة لما قال الإمام: إنهم في النار». وأيضا قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف، ويفعل ويفعل، هل ينفعه؟ قال: لا. لم يقل يوما من الدهر: اللهم اغفر لي ذنبي، واصلح لي أمري»، أي أنه لم يسلم ولم يترك عبادة الأصنام. وكذلك أيضا جاء في بعض الروايات أنه قال له النبي عليه الصلاة والسلام مثل ذلك حتى أسلم بعد ذلك. فالنصوص التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، قال: «لما زار قبر أمه عليه الصلاة والسلام، قال: استأذنت ربي أن أزور قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها، فلم يأذن لي»، فهذا كله وغيره من النصوص يدل على أن أهل الجاهلية كانوا مؤاخذون بما فعلوا. أهل الجاهلية قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا أخذهم الله عز وجل؟ لأنه كانوا على دين. وأما أهل الفترة، فهم الذين لم يأتيهم الرسول، ولم يكونوا على دين، بل بعض أهل العلم ينكر أن يكون هناك أناس يسمون بأهل الفترة. ينكر بعض أهل العلم أن يكون هناك أناس يسمون بأهل الفترة، قال: لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، أي ليس هناك أمة إلا وفيها نذير، فدل على أنه ليس موجودا في الواقع أن هناك أمة لم يأتيها نبي. لكن كيف نفعل بحديث الأسود بن سريع الذي يخرجه الإمام أحمد، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن أربعة يمتحنون يوم القيامة، وذكر منهم رجل في فترة؟ فالظاهر أن هذا إن صح الحديث، أن الحديث مختلف فيه. وجاء في طرق متعددة، عن الحسن عن أبي هريرة، عن الأسود بن سريع، فصححه بعضهم، وذكره أيضا شيخنا في الصحيح المسند. لكن بعضهم حمله على الأفراد، وليس على الأمة، وأن أمة كاملة لا يأتيها نذير، هذا معارض للآيات. لكن قد يكون في الأفراد، قد يكون بعض الأفراد لبعدهم عن سماع الدين، وكذا لا يسمعون به، حتى مثلا قد يكون في زمن قريب في بعض الأماكن، وبعض البلدان لا يسمعون بالإسلام، متأخرين لا يسمعون بالإسلام، متأخرين وهكذا. فالمهم أن من حصل منه هذا الأمر ولم يسمع برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بدعوة الإسلام، فهذا يمكن أن يكون من أهل الفترة. وقد يكون هذا حصل في بعض الناس، حصل لهم في فترات من الأزمان، هذا يؤيد هذا القديم. وإلا فالأصل أنه ما من أمة إلا بعث الله عز وجل فيها مبشرا ونذيرا، ينذرهم عذاب الله جل وعلا، أي بعث إليهم رسولا. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. لكن كما قلنا: الصحيح أن أهل الجاهلية الذين قبل النبي عليه الصلاة والسلام ليسوا من أهل الفترة، بل هم كانوا على دين إبراهيم، كانوا على دين إبراهيم، وعندهم أشياء من دين إبراهيم. بل هناك أناس يسمون بالحنيفيين، يسمون بالحنيفيين، هم أتباع دين إبراهيم الذين لم يعبدوا الأصنام، فدل ذلك على أنه كان عندهم هذا الدين. فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجدد لهم ما كان عليه من دين إبراهيم، أي من عبادة الله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا.