الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 7، ألقاها
العبادة لها أنواع متعددة تشمل الاعتقادية واللسانية والقلبية، وتعتبر أساساً للتوحيد. العبادات تشمل اعتقاد وحدانية الله وذكر الله وقراءة القرآن والخوف والتوكل.
النطق بكلمة التوحيد واعتقادها ضروريان لحفظ الدم والمال، وكفر إبليس كان بسبب عناده واستكباره. الاعتقاد دون النطق أو النطق دون اعتقاد لا يكفيان لإثبات التوحيد.
المشركون أقرّوا بربوبية الله لكنهم أشركوا في عبادته، وكانوا يتلون "لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك". النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن قول "إلا شريك هو لك".
المشركون عبدوا الأصنام ليقربوهم إلى الله ويشفعوا لهم، واستدلوا بآيات قرآنية على ذلك. هذا الاعتقاد أدى إلى تقديم النذور والنحر للأصنام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن النبي الصنعاني رحمه الله في رسالته "تطهير الاعتقاد": فصلٌ، إذا عربت هذه الأصول، فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواع اعتقادية، وهي أساس العبادات والاعتقاد. قال: وذلك أن تعتقد أنه الرب الواحد الأحد، الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك مما يجب من لوازم إلهية. هذه عبادة اعتقادية، سمت اعتقادية لأن محلها في القلب، فهو اعتقاد القلب الجازم أنه جل وعلا هو الرب الذي له صفات ربوبية، المتبرد بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، وهو الذي بيده النفع والضر. وأنه جل وعلا لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالم كل من سوى الله، فالله جل وعلا هو رب العالمين، ولا رب غيره. وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، والذي يطعمني ثم يسقين، نعم، فربنا جل وعلا هو المتفرد بالخلق والملك والربوبية والألوهية. فهذا الاعتقاد من العبادات التي يجب على العبد أن يعتقدها، وعلى المسلم أن يعتقد ذلك بقلبه، وأنه جل وعلا لا شريك له، ولا ند له، هل تعلم له سميا؟ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: «قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا»، فالشفاعة بيد الله جل وعلا، ولا يشفع أحد إلا بإذن الله جل وعلا. وأنه لا معبود بحق غيره، أي لا يستحق أن يعبد أحد إلا الله، وهذا معنى «لا إله إلا الله»، ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، ﴿وَإِيَّاكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وهكذا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذه العقيدة أو اعتقاد هذه الأمور واجب، وهي من العبادات الاعتقادية التي يجب على العبد والمسلم أن يعتقدها في قلبه. قال: ومنها لفظية، يعني من العبادات ما هي عبادة لفظية. وقبل ذلك أيضا من العبادات التي هي في القلب ما يسميها بالعلم العبادة القلبية. العبادة القلبية يعني العبادات التي محلها القلب، كالخوف والرهبة والخشية والإنابة والتوكل والرغبة ونحوها من العبادات القلبية التي محلها في القلب. قال: ومنها لفظية، يعني من العبادات ما هي عبادات لفظية، يتلفظ بها العبد وينطق بها بلسانه، كذكر الله جل وعلا، قراءة القرآن، والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه كلها عبادات لفظية يتلفظ بها بلسانه. قال: وهي النطق بكلمة التوحيد، يعني ومنها من عبادات اللفظية النطق بكلمة التوحيد، وهي كلمة «لا إله إلا الله». قال: فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، يعني من اعتقد أن الله المتفرد بالخلق والملك والتدبير، وأنه الإله الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه، وأنه لا رب غيره ولا إله سواه، لكن لم ينطق بذلك بلسانه، ولم يقل «لا إله إلا الله»، فهذا لا ينفعه، ولا يكون معصوم الدم والمال. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام». فقول عليه الصلاة والسلام: «حتى يقولوا لا إله إلا الله» يدل على أنه إن لم يقولوا «لا إله إلا الله» لم يكونوا معصومي الدم والمال. قال: وكذلك إبليس، فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به، كما أسلفناه عنه، يعني في قوله: ﴿رَبِّ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وهو يعترف بربوبية الله. وكذلك أيضا يؤمن بالبعث وجمع الخلائق جميعا يوم القيامة. قال: إلا أنه لم يمتثل أمر الله بالسجود، فكفر وخفر. إبليس عليه لعنة الله، هو بالإباء والاستكبار، وذلك أنه أبى أن يستجيب لأمر الله جل وعلا، وأن يسجد لآدم. قال الله جل وعلا: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. فأخبر الله جل وعلا أن إبليس أبى واستكبر، فوقع في كفر العناد والإباء والاستكبار. فليس كما ذكر المؤلف رحمه الله من أن كفره بعدم النطق بكلمة التوحيد، بل هو بسبب كفره وعناده واستكباره، بسبب عناده واستكباره. قال: ومن نطق بها ولم يعتقد حقن دمه وماله، وحسابه إلى الله. وحكمه حكم المنافقين، من نطق بها ولم يعتقد، يعني تكلم بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» ولم يعتقد ما دلت عليه من إفراد الله جل وعلا بالإلهية والعبودية، وكفر بما دلت عليه. قال: حقن دمه وماله، يعني في الظاهر، عمل معاملة المسلمين، وعصم دمه وماله، وهو في الباطن كافر. وهذا هو حكم المنافقين، وهذا يسميه العلماء بكفر النفاق، كفر النفاق، أي الاعتقادي الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر في باطنه. قال: وبدنية، يعني من العبادات ما هي عبادة بدنية، كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم، وأفعال الحج والطواف. هذه كلها أعمال يفعلها الإنسان ببدنه، يقوم ويركع ويسجد في الصلاة، هذه أعمال بدنية تتعلق بالبدن، ويتخللها أعمال لفظية أيضا، عبادات لفظية، لكن أساسها هو فعل البدن. قال: ومالية أيضا من العبادات عبادة مالية، قال: كإخراج جزء من المال امتثالا لما أمر الله تعالى به، كالزكاة، إخراج جزء من المال لمن يستحقه. وهكذا النذر الواجب في مكان يتعلق بالمال، من إخراج مال أو ذبح أو نحو ذلك. وهكذا الكفارات. قالوا: أنواع الواجبات والمندوبات في الأبدان والأموال والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها، يعني هذه أصولها وأساسها، ثم تندرج تحتها أعمال متعددة. كما مر معنا بتفسير العبادة كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. قالوا: إذا تقررت هذه الأصول، فاعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، يعني من أمور الربوبية، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، يعني من إقرار المشركين بربوبية الله جل وعلا. وهذا في الجملة، وإلى من بعضهم أنكر البعض مع إقراره بربوبية الله جل وعلا. ولهذا هذا الإقرار هو من حيث الجملة، لكن ببعض التفاصيل ربما يقعون بشيء من الشرك أو الكفر. وهكذا أيضا لا يضر بذلك ما وقع من شذوذ بعض أهل الإلحاد وإنكارهم لربوبية الله جل وعلا، كالدهرية الذين يقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، أي مرور الأيام والليالي. وهكذا أيضا الشيوعية الذين يقولون: لا إله والحياة مادة. أو كذلك الطبعيين الذين يقولون: بأن هذه الحياة هي طبيعة، والذي أوجد هذه المخلوقات هي الطبيعة. فهؤلاء أنكروا ربوبية الله جل وعلا، وقولهم شاذ لا عبرة به. قالوا: ولذا قالوا: «أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا»، أي لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون الأوثان. فلم ينكر إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكر الله تعالى ولا أنه لا يعبد، بل أقروا بأنه يعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة. ومعنى ذلك أنهم يقرون بوجود الله، يقرون بوجود الله جل وعلا، وأيضا بعبادة الله، لكن أنكروا إفراده بالعبادة، وأنه الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه من المعبودات. قال: فعبدوا مع الله تعالى غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أندادا، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له، يعني لا مثل له ولا نظير يكون بمنزلة الله جل وعلا في الربوبية والألوهية، حتى تصرف له عبادة مع الله جل وعلا. وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: «لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك». يعني المشركون من أهل قريش ومن كان يطوف حول البيت كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك». وهذا لا شك أنه تناقض، كيف لا شريك لك ثم يستثنون بإثبات الشريك لله جل وعلا، فيستثنون شريكا واحدا مع الله. قال: وكان يسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم عند قولهم: «لا شريك لك»، فيقول: «قد، قد»، أو «قد، قد» بالإسكان أو بالتنوين. ومعنى «قد»: يكفي، ولا تزيدوا على هذا. معنى يكفي، ولا تزيدوا على هذا الكلام، فاقتصروا عليه، يعني قولهم: «لبيك لا شريك لك»، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قد، قد»، يعني قفوا عند هذا الكلام، هم يزيدون: «إلا شريك هو لك». قال: فيقول: «قد، قد»، أي أفردوه جل جلاله بالعبادة، لو تركوا قولهم: «إلا شريكا هو لك». قال: فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به تعالى، يعني هم مع كونهم مشركين مع الله، فشركهم مع الله إثبات لعبادة الله ولربوبية الله جل وعلا، لكن أشركوا في العبادة بأن جعلوا مع الله إلها آخر يعبد معه. قال: كما قال تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وقول: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾. فنفس اتخاذ الشريك إقرار بالله تعالى، ولهذا جعلوا لله جل وعلا الشريك يشاركه في الألوهية، مع أنهم مقرون بأن الله جل وعلا هو المتفرد بالربوبية، لكن أشركوا في عبادة الله، وجعلوا معه الشريك الذي يشاركه في الألوهية. قال: ولم يعبدوا الأصنام بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه، كما مر معنا ذلك في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهم اتخذوا هذه الآله من الأصنام وغيرها اعتقاد أنها تقربهم إلى الله جل وعلا، وتشفع لهم عند الله جل وعلا. نكتفي بهذا القدر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.